
لقاءات مختلفة تمت الأسبوعين الماضيين
في قلب اوربا وتحديدا بالعاصمة الفرنسية باريس، كان أبرزها أني تشرفت يومي 4 و 8 يونيو 2026 بلقاء السيد برونو فوشز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي.
اللقاء الأول جاء في توقيت بالغ الدلالة، أيقظ في ذاكرتي مصادفة غريبة من مصادفات الزمن؛
إذ جاء في اليوم نفسه الذي شهد واحدًا من اللقاءات التي لا تغادر الذاكرة مهما ابتعدت السنوات.فالرابع من يونيو.لم يكن يوم عادي في رزنامة الحياة، بالنسبة لي بل يحمل حكاية مثيرة .
ففي مثل هذا اليوم من عام 2009 كان لقائي الثاني بالرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.كان اللقاء الأول سبق ذلك بنحو خمس سنوات، عام 2005، في ذروة معركة الانتخابات الرئاسية الأولى في تاريخ مصر وكان أوباما يومها سيناتورًا في مجلس الشيوخ الأمريكي، يرأس لجنة فرعية بالكونغرس، عائدًا من زيارة إلى الأردن ومتوقفًا في القاهرة لساعات قليلة قبل عودته إلى واشنطن.
استقبلته مع رئيس لجنه الموازنة بالكونجرس في منزلي بالزمالك.
جلسنا أقل من نصف ساعة.
كان حديثًا هادئًا عن مصر التي كانت تبحث عن نافذة أوسع للحرية، وعن منطقة تتأرجح بين الأمل والقلق، وعن مستقبل بدا يومها مفتوحًا على احتمالات كثيرة.
و غادر بعدها إلى المطار.
وغادرت أنا اللقاء بانطباع إيجابي عن سياسي شاب يمتلك قدرة لافتة على الإنصات أكثر من الكلام.
لم يكن أحد يتوقع آنذاك أن يصبح ذلك السيناتور، بعد سنوات قليلة، رئيسًا للولايات المتحدة، وأن يعود إلى القاهرة محط أنظار العالم كله.
ثم دار الزمن دورته.
وجاء اللقاء الثاني.في 4يونيو2009
كنت قد خرجت لتوي من سنوات ثقيلة من الاعتقال، بينما كان أوباما يصل إلى مصر رئيسًا للولايات المتحدة، في أول زيارة له إلى القاهرة بعد دخوله البيت الأبيض.
زيارة لم تتجاوز تسع ساعات.
لكن بعض الساعات لا تُقاس بعقارب الزمن.
بعض الساعات تتحول إلى علامة فارقة في ذاكرة الشعوب.
لم تكن القاهرة يومها مجرد محطة في برنامج رئيس أمريكي جديد، بل كانت منبرًا اختاره ليخاطب منه أكثر من مليار مسلم حول العالم.
لم يختر عاصمة أخرى.
اختار القاهرة.
واختار مصر.
ربما لأن القاهرة، رغم كل ما مر بها، ظلت تمتلك تلك القدرة النادرة على أن تكون أكثر من مدينة، وأكثر من عاصمة، وأكثر من حدود جغرافية.
كانت يومها فكرة.
ورمزًا.
وصوتًا.
وصفها أوباما بأنها قلب العالم العربي والإسلامي، والدولة الأهم في عملية السلام في الشرق الأوسط.
ثم مضى إلى جامعة القاهرة ليلقي خطابه الشهير «بداية جديدة».
أتذكر تفاصيل ذلك اليوم جيدًا.
أتذكر التصفيق.
والترقب.
والأسئلة المعلقة في الهواء.
وأتذكر ذلك الشعور الجماعي بأن العالم ربما يقف على أعتاب صفحة مختلفة.
بدأ خطابه بتحية عربية بسيطة:
«السلام عليكم».
واستشهد بآيات من القرآن الكريم، وأخرى من الإنجيل، وتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والتعايش والحوار.
بدت الكلمات جميلة.
وكانت الآمال أكبر.
لكن السياسة، كما تعلمنا جميعًا، لا تُقاس بجمال الخطابات وحده.
مرت السنوات.
تبدلت الإدارات.
وتغيرت التحالفات.
وتعاقبت الحروب والأزمات.
وانكشفت المسافة الواسعة بين ما تقوله السياسة أحيانًا وما تفعله على الأرض.
بقي السؤال نفسه حاضرًا:
كم من الوعود تستطيع القوة أن تفي بها؟
وكم من الأحلام تنجو حين تصطدم بحسابات المصالح؟
وأنا أغادر باريس، وجدت نفسي أفكر في تلك المفارقة العجيبة.
سبعة عشر عامًا تفصل بين المشهدين.
وجوه تغيرت.
ومواقع تبدلت.
وخرائط أُعيد رسمها أكثر من مرة.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
إيماني بأن الحوار يظل أكثر نبلًا من الصدام، وأن السياسة في أفضل صورها ليست صراعًا على السلطة، بل بحثًا متواصلًا عن مساحة أوسع للحرية والكرامة والسلام.
سبعة عشر عامًا مضت منذ وقف أوباما في جامعة القاهرة مخاطبًا العالم الإسلامي.
وربما لهذا بدا لي لقاء باريس أكثر من مجرد اجتماع سياسي؛ فقد أعاد إلى ذهني ذلك الخيط الرفيع الذي يربط بين لحظات تصنعها الكلمات ولحظات تختبرها الوقائع. بين خطاب «بداية جديدة» الذي حمل وعودًا كبيرة، وبين عالم أثبت لاحقًا أن النوايا وحدها لا تكفي ما لم تسندها الإرادة والقدرة على تحويل المبادئ إلى سياسات.
رحلت وجوه كثيرة.
وتبدلت أحلام كثيرة.
وتغير العالم أكثر مما كنا نتوقع.
لكن بعض الأيام لا تغادر أصحابها.
تبقى معلقة في مكان ما بين الذاكرة والوجدان، تستيقظ فجأة كلما أعاد الزمن ترتيب مصادفاته.
ويبقى الرابع من يونيو 2009 واحدًا من تلك الأيام التي شعرت فيها القاهرة أنها تخاطب العالم، وشعر العالم أنه يصغي إليها.
واليوم، بعد سبعة عشر عامًا كاملة، وأنا أغادر لقائي في باريس، وجدتني أتأمل تلك المسافة الطويلة التي قطعها العالم منذ ذلك الخطاب.
كم تبدلت خرائط.
وكم تغيرت موازين.
وكم سقطت أوهام وولدت أخرى.
لكن قيمة الحوار بقيت أكبر من الضجيج، وبقيت الحرية أكثر احتياجًا إلى من يدافع عنها، وبقيت السياسة، في معناها الأجمل، محاولة دائمة لبناء الجسور لا الجدران.
هكذا أعادت إليّ باريس ذكرىات القاهرة بالأمس







