
في الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس حركة النهضة التونسية
عندما تبدع المخيلة والعقل التونسي في زمن الاستثناء والتنكيل الشامل
أحيت حركة النهضة التونسية، في الأيام الماضية، بكل فخر، الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس الحركة، على وقع الأحكام الجائرة والقاسية ضد رئيسها الأستاذ راشد الغنوشي وثلة من قياداتها، وموجة التنكيل الفظيع والشامل ضد كل نفس حر في تونس.
ربما يبدو الأمر لا يستحق التوقف عنده، لكن عندما تمطر عليك سماء الانقلاب بالأحكام الظالمة مثل الشتاء، ويشن عليك إعلام التفاهة قذاراته صباحًا ومساءً، وتحاصر قاعدتك الحزبية والمجتمعية بالشك والتشكيك والتخوين والصدمة والرعب، فإنك مهما كنت، تفقد شيئًا من التوازن، وتختل لديك الأولويات، وتصبح تبحث في دائرة حفظ البقاء لا عن الابتكار والإبداع.
لكن المخيلة والعقل التونسي، والتحفز النهضاوي، حملوا معهم مفاجآت جميلة في الاحتفال بالذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس حركة النهضة التونسية.
خمسة وأربعون عامًا ليست مجرد رقم في روزنامة التنظيمات السياسية التونسية، بل هي رحلة طويلة من التحولات والتجارب والاختبارات، عاشت خلالها الحركة مراحل السرية والملاحقة والسجون والمنفى، ثم المشاركة في الحياة العامة وإدارة الشأن العام، قبل أن تجد نفسها مجددًا أمام امتحانات جديدة في زمن الاستثناء.
وهي مسيرة تجعل من ذكرى التأسيس مناسبة للتأمل في الماضي واستشراف المستقبل في آن واحد.
1- في جمال الشكل
أفيش الاحتفال بالذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس حركة النهضة التونسية جاء بديعًا وجميلًا ومختلفًا، وسجل نجاحًا في اختيار الألوان وتناسقها، وفي التوازن بين الكلمات ومساحة الفضاء، وفي تقديم رؤية بصرية مريحة وممتعة، جمعت بين راية وطن لن يموت ورسالة حركة عصية على الاستئصال.
2- البيان: في زمن الاستثناء
جاء بيان حركة النهضة التونسية في ذكرى التأسيس الخامسة والأربعين شاملًا ومتسقًا وحكيمًا، يصف ما حدث بعقل، ويدين الانتهاكات الجسيمة والخطيرة بوضوح، ويقف عند محطات النضال بشموخ، ويرثي الشهداء بفخر، وآلام المناضلين بإباء.
كما عبر البيان عن استعداد قوي للوقوف عند الهنات ومكامن الضعف أو الأخطاء المحتملة في كل عمل بشري، في تواضع ومسؤولية وطنية قادرة على التجاوز واللقاء مع جميع الفرقاء، على قاعدة أن تونس في حاجة ماسة إلى كل أبنائها، وأن الوطن يئن تحت وطأة تحديات حقيقية، يستحيل أن يقوم بها فرد واحد أو جماعة أو حزب، بل تحتاج إلى وحدة وطنية صلبة في مواجهة الاستثناء أولًا، ثم إعادة البناء الديمقراطي على أسس جامعة وراسخة.
3- ندوة باريس
كانت ولا تزال العاصمة الفرنسية باريس ملتقى الطلاب والمثقفين والعمال التونسيين في المهجر، وبالرغم من التحولات العميقة التي حدثت في بنية الجاليات التونسية في الخارج، لا تزال باريس تمثل رمزًا وصدى لما يختلج في نفوس التونسيين في الداخل والخارج، خاصة عندما يخيم الظلام الدامس على روح تونس العظيمة في زمن الاستثناء والديكتاتوريات المتعاقبة.
وسجلت ندوة حركة النهضة التونسية بباريس، يوم السبت 6 يونيو 2026، حضورًا لافتًا من مناضلي الحركة من كل الأعمار والهيئات القيادية، والشخصيات الوطنية والإعلامية التونسية المقيمة في باريس والخارج.
وقد تميزت هذه الندوة بكلمة بليغة ومؤثرة ومشرفة للمناضل اليساري العريق جلال بريك، وتدخل شجاع ومحترم من صانع المحتوى التونسي بن عرفة، عبّر فيه عن تقديره لصمود وشجاعة ووطنية الأستاذ راشد الغنوشي، كما جدد استعداده للعمل مع كل تونسي حر من أجل مستقبل أفضل لبلادنا.
وفي كل ذكرى من هذا النوع، لا يقتصر الاستحضار على القيادات والمناضلين فقط، بل يمتد أيضًا إلى العائلات والزوجات والأبناء والأمهات الذين تحملوا نصيبًا وافرًا من المعاناة والانتظار والقلق، وظلوا جزءًا من قصة الصمود الطويلة التي رافقت الحركة في مختلف مراحلها.
4- الجيش التونسي
تزامن الاحتفال كذلك مع بيان مهم لحركة النهضة التونسية، بعد تصريحات الأستاذ بشر الشابي، أحد النواب الأشاوس في الكتلة البرلمانية الصامدة.
وقد حرصت الحركة بكل وضوح، وبلغة راقية ونبيلة، على النأي عن تلك التصريحات، مؤكدة أنها تمثل موقفًا شخصيًا، ومجددة احترامها لدور الجيش التونسي في حماية الوطن وضمان سيادته، وأهمية النأي بهذه المؤسسة الوطنية عن أي تجاذبات سياسية.
5- الكتاب
ولعل من أجمل ما حملته مظاهر الاحتفال بالذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس حركة النهضة التونسية، إصدار كتاب أنيق وجميل، ومرجع تاريخي مختصر لتاريخ الحركة ونضالاتها من أجل إحياء وتعزيز القيم الإسلامية والحقوق والحريات، قبل الثورة وبعدها، وفي زمن الاستثناء.
كما تضمن الكتاب وقفات مختصرة، ولكنها مفيدة، حول تطور رؤية الحركة الفكرية والتقييمية، واستعدادها الدائم للتعاون مع جميع التونسيين من أجل إنقاذ تونس وبناء مستقبل أفضل بصورة مشتركة.
تبقى الذكرى الخامسة والأربعون محطة للتقييم والمراجعة واستخلاص الدروس، لكنها تظل كذلك مناسبة للتطلع إلى المستقبل، في وطن يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الحوار والتوافق وإطلاق الطاقات الوطنية القادرة على إعادة الأمل للتونسيات والتونسيين، وبناء غد أفضل للأجيال القادمة.
ماهر المذيوب







