وحدات حماية المرأة قصة نضال نسوي واجهت التنظيمات المسلحة في شمال سوريا

تأسست وحدات حماية المرأة في الرابع من أبريل 2013 في شمال سوريا لتكون قوة دفاعية نسائية في ظل تحولات عسكرية وسياسية كبرى شهدتها المنطقة، وشكل هذا التأسيس انطلاقة لتجربة عسكرية نسوية غير مسبوقة اتخذت من مبادئ التنظيم الذاتي والدفاع المشروع أساسا لعملها الميداني، وربطت تلك الوحدات فكرها بفلسفة عبد الله أوجلان الذي دعا إلى مشاركة المرأة في القيادة والحماية كشرط أساسي لنهوض أي مشروع ديمقراطي، وتجاوزت هذه التجربة المهام القتالية لتصبح هوية تنظيمية تعكس رؤية اجتماعية شاملة لدور النساء.
برزت الحاجة إلى تشكيل هذه القوى بالتزامن مع الاضطرابات التي عصفت بالبلاد بدءاً من عام 2011 حيث دعت الضرورة الميدانية إلى حماية السكان والمناطق المحلية، وانطلقت ثورة المرأة بوصفها ركيزة أساسية ضمن مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وعملت الوحدات على كسر القيود الاجتماعية التي كانت تمنع النساء من ممارسة العمل العسكري، وتوافدت آلاف المتطوعات إلى صفوف هذه القوات سعيا لتأمين مجتمعاتهن وإثبات قدرة العنصر النسائي على تحمل المسؤوليات الأمنية في ظروف بالغة التعقيد والخطورة.
تستذكر المقاتلة دستينا مظلوم انضمامها عام 2016 بعد ما شهدته أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب من حصار وقصف مستمر، وأوضحت أن تجربتها في صفوف وحدات حماية المرأة غيرت مفهوم الهوية لديها إذ لم يقتصر التدريب على السلاح بل امتد ليشمل الجوانب السياسية والفكرية والتنظيمية، وأكدت دستينا مظلوم أن الانخراط في هذه القوات كان ردا على الممارسات التي استهدفت الإنسانية، لافتة إلى أن هذه التشكيلات تحولت إلى بيئة حاضنة للمرأة تسعى لحماية المجتمع ومواجهة الذهنية التي سعت لتهميشها عبر سنوات طويلة.
شكل عام 2014 نقطة تحول مفصلية في تاريخ هذه القوات مع التوسع السريع لتنظيم داعش الذي سيطر على الموصل في يونيو 2014، وشاركت المقاتلات في معارك شرسة أبرزها معركة كوباني خلال الفترة من سبتمبر 2014 وحتى يناير 2015، ونالت المقاتلات اهتماما دوليا واسعا نظير دورهتن في الخطوط الأمامية، وساهمت وحدات حماية المرأة في تحرير مدينة تل أبيض في يونيو 2015، كما شاركت بفعالية في معارك سد تشرين في ديسمبر 2015 لقطع طرق إمداد المسلحين الرئيسية.
توسعت العمليات العسكرية لتشمل تحرير مدينة منبج ما بين يونيو وأغسطس 2016، وخاضت المقاتلات معارك تحرير مدينة الطبقة وسد الفرات وقاعدة الطبقة الجوية بين مارس ومايو 2017، وشاركت الوحدات بفعالية في معركة تحرير الرقة التي انطلقت في 6 يونيو 2017، وصولا إلى إعلان التحرير في 17 أكتوبر 2017، وانتقلت القوات بعد ذلك إلى جبهات دير الزور والمشاركة في حملة عاصفة الجزيرة لإنهاء وجود التنظيم شرق الفرات حتى معركة الباغوز في آذار مارس 2019.
واجهت وحدات حماية المرأة تحديات وجودية عند اندلاع الإبادة في شنكال بتاريخ 3 أغسطس 2014، حيث تعرض المكون الإيزيدي لهجمات قاسية، وعملت المقاتلات بجانب وحدات المرأة الحرة YJA STAR على فتح ممرات آمنة للمدنيين وإجلاء آلاف العوائل من جبل شنكال، وتصف آخين انتقام هذه المهمة بأنها كانت دفاعا عن الحياة بحد ذاتها، مؤكدة أن الجرائم التي ارتكبها داعش بحق النساء الإيزيديات تعد من أكثر فصول العنف دموية في القرن الحادي والعشرين، مما دفع الكثير من الناجيات للانتظام في قوى دفاعية.
أثمرت جهود التنظيم الذاتي للإيزيديات عن تأسيس وحدات حماية المرأة شنكال YJŞ عام 2015 كقوة دفاعية مستقلة مستلهمة تجربة روج آفا في المقاومة، وتؤكد آخين انتقام أن التنسيق النسوي بين مقاتلات شمال وشرق سوريا وشنكال كان العامل الحاسم في كسر شوكة التنظيمات المتشددة، وشكل تحرير مدينة شنكال في تشرين الثاني نوفمبر 2015 بداية لمرحلة جديدة، حيث تم تكثيف العمل على البحث عن المختطفات الإيزيديات وتحريرهن، مع توفير الدعم اللازم للناجيات اللواتي تحول الكثير منهن إلى مقاتلات يدافعن عن مجتمعاتهن.
تحولت وحدات حماية المرأة إلى مرجع نسوي إقليمي بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من النضال، حيث يطالب المتابعون للتجربة بالاعتراف الرسمي بدور المقاتلات اللواتي قدمن تضحيات كبيرة، وتشدد آخين انتقام على ضرورة تكاتف القوى النسائية في الشرق الأوسط ضد التهديدات المستمرة، معتبرة أن هذه الوحدات أصبحت إرثا حقيقيا يضمن استمرارية حضور المرأة في العمل العسكري والسياسي، وتواصل المقاتلات في شنكال وروي آفا نهجهن في الحماية والدفاع لضمان عدم تكرار مآسي الماضي في ظل مشهد إقليمي لا يزال يفرض تحديات كبيرة على أمن المجتمعات.







