ذاكرة التاريخملفات وتقارير

الخديوي عباس حلمي الثاني.. “باني النهضة” الذي نفاه الاحتلال

في مثل هذه الأيام من ذاكرة التاريخ، نستحضر سيرة الخديوي عباس حلمي الثاني (1874 – 1944)، سابع حكام أسرة محمد علي، وآخر خديوي لمصر والسودان. يمثل عباس حلمي الثاني علامة فارقة في تاريخنا، ليس فقط لكونه حاكماً تعرض للعزل والنفي بسبب وطنيته ومناهضته للإنجليز، بل لكونه “خديوي النهضة” الذي امتدت يده لتضع حجر الأساس لأبرز معالم مصر الحديثة التي نعيش في ظلها حتى يومنا هذا.

بصمات لا تُمحى في ذاكرة مصر

إن أي تجول في شوارع القاهرة أو ريف مصر يضعنا وجهاً لوجه أمام إنجازات هذا الرجل، الذي كانت رؤيته سباقة لعصره:

  • العلم والثقافة: هو صاحب قرار تأسيس وافتتاح جامعة القاهرة، والمتحف المصري بالتحرير، ومتحف الفن الإسلامي.
  • البنية التحتية والمواصلات: وضع حجر الأساس لـ محطة قطارات القاهرة (رمسيس)، وافتتح شبكة ترام القاهرة عام 1896 في وقت كانت فيه معظم مدن العالم لا تزال في ظلام دامس.
  • الكباري والجسور: تشهد القاهرة له بوضع أساسات كباري خالدة مثل (إمبابة، أبو العلا، الملك الصالح، عباس، والجلاء).
  • الري والزراعة: شيد قناطر أسيوط وإسنا وخزان أسوان، وهي المشاريع التي ضمنت لمصر الأمن المائي لسنوات طويلة.
  • حماية التراث: كان أول حاكم يضع خطة شاملة لترميم الآثار الإسلامية عام 1895، حين كانت تلك المساجد التاريخية مهددة بالانهيار.

رجل السياسة والموقف الوطني

على عكس السياسات التي سادت في عهد والده الخديوي توفيق، اتخذ عباس حلمي الثاني موقفاً وطنياً مشهوداً؛ حيث أصدر عفواً عن الزعيم أحمد عرابي وسمح له بالعودة من المنفى وأغدق عليه حتى وفاته. هذا الموقف الوطني، إلى جانب معارضته لسياسات الاحتلال البريطاني في مصر، جعلت منه عدواً لدوداً للإنجليز، الذين انتهزوا الفرص لعزله عن العرش في 19 ديسمبر 1914.

“الله حي.. عباس جاي”

جسد الشعب المصري حبه لهذا الحاكم بوقوفه إلى جانبه في محنته، فكان الهتاف الشعبي الشهير “الله حي.. عباس جاي” تعبيراً عن أمل المصريين في عودة الخديوي الذي عارض المستعمر، ليبقى هذا الهتاف جزءاً من التراث الشعبي المرتبط بذاكرة النضال ضد الاحتلال.

رحلة المنفى والعودة الأخيرة

قضى عباس حلمي الثاني ثلاثين عاماً في المنفى بين تركيا وأوروبا، إلى أن وافته المنية في مدينة جنيف في 19 ديسمبر 1944، وهو نفس اليوم الذي شهد عزله قبل ثلاثة عقود. عاد جثمانه إلى أرض الوطن ليوارى الثرى في “حوش أفندينا” بالقاهرة، تاركاً إرثاً من المشروعات التنموية وموقفاً وطنياً لا ينساه التاريخ.

إن استذكار سيرة عباس حلمي الثاني ليس مجرد استعراض لأرقام وتواريخ، بل هو دعوة لإعادة قراءة التاريخ بإنصاف، وتقييم حاكم سخر ثروته وعصره لبناء صروح العلم، والتنمية، والحفاظ على التراث.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى