شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: اليوم التالي للحرب.. تهدئة المضائق وضيق الداخل

الاتفاق بين ايران وأمريكا يهبط بالنفط قليلا ، ولا يهبط بالخوف كثيرًا. تهدئة محتملة حول مضيق هرمز فتحت للأسواق نافذة من الأمل، لكنها لم تغلق أبواب القلق في الإقليم. فالشرق الأوسط لا يعرف سلامًا كاملًا يصنعه سعر برميل، ولا أمانًا حقيقيًا يكتبه بيان لم تجف حروفه بعد.

الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني، إن اكتمل، قد يخفف ضغط الطاقة، ويفتح ممرًا بحريًا بالغ الحساسية، ويمنح عواصم متعبة فسحة لالتقاط الأنفاس. لكنه سيظل اتفاقًا ناقصًا إذا هدأ البحر وبقيت الجبهات مشتعلة، وإذا عبرت السفن وظلت الشعوب عالقة بين القصف والحصار والفقر والخوف.

مصر لا تملك رفاهية متابعة مضيق هرمز كخبر خارجي. كل اضطراب هناك يصل إلى هنا، في فاتورة الوقود، وسعر النقل، وكلفة الكهرباء، وضغط العملة، وحسابات الدعم. الجغرافيا البعيدة قد تتحول في لحظة إلى رغيف على مائدة فقيرة، أو دواء ناقص، أو مرتب لا يصمد حتى آخر الشهر.

غير أن الخطر الأكبر لا يسكن المضائق وحدها. الأزمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الدولة إلى كائن ينتظر الخارج كي يتنفس: انخفاض النفط كي يطمئن، وقرضًا جديدًا كي يدفع، وشهادة دولية كي يبتسم، وتصريحًا رسميًا كي يطلب من الناس المزيد من الصبر. الأوطان لا تنهض بالمسكنات، ولا تعبر الأزمات بالإنكار.

أرقام التضخم الأخيرة تقول إن الارتفاع يتباطأ، لكنها لا تقول إن الحياة صارت أسهل. المواطن لا يعيش داخل النسبة المئوية، ولا يأكل من الجداول، ولا يربي أبناءه على منحنيات البيانات. هو يقيس الاقتصاد من رف الدواء، وسعر الخضار، وفاتورة الكهرباء، ومصاريف المدرسة، والمسافة اليومية بين الأجر والحاجة.

سداد متأخرات شركات النفط والغاز الأجنبية خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي لكي نعلن البراءة من سوء الإدارة. السؤال ليس: هل دفعنا؟ بل: لماذا تأخرنا؟ كيف تراكمت الفاتورة؟ ومن يحاسب على كلفة التردد والارتباك؟ الإدارة الرشيدة لا تفتخر بإطفاء حريق كانت تستطيع منع اشتعاله.

ملف القمح يفتح نقطة ضوء لا ينبغي تجاهلها. شراء كميات كبيرة من المحصول المحلي يؤكد أن الأرض المصرية لا تزال قادرة على العطاء، وأن الفلاح يستجيب عندما يجد سعرًا عادلًا وحافزًا واضحًا. لكن الأمن الغذائي لا يصنعه موسم ناجح وحده؛ يصنعه ماء يكفي، وتخزين لا يهدر، وبحث زراعي جاد، وفلاح لا يستدعى عند موسم التوريد ثم ينسى عند توزيع العوائد.

الفلاح المصري لا يحتاج خطبًا عن الوطنية، بل يحتاج عدالة في السعر، وتمويلًا ميسرًا، وتعاونيات حقيقية، وإرشادًا زراعيًا محترمًا، وسوقًا لا تتركه وحيدًا بين نار التكلفة وسيف الوسيط. لا كرامة لرغيف يطلب من زارعه أن يبقى آخر الواقفين في طابور الإنصاف.

عناوين الإصلاح الاقتصادي تبدو حاضرة: تقليل البيروقراطية، وطرح بعض الشركات، وتوسيع مساحة القطاع الخاص. غير أن السؤال الأعمق يظل معلقًا: هل تخرج الدولة فعلًا من منافسة الناس؟ هل تصبح حكمًا لا لاعبًا؟ هل يحكم القانون السوق، أم تظل التعليمات أقوى من العقود، والحظوة أقرب من الكفاءة؟

الاستثمار لا يحب الضجيج، ولا يعيش طويلًا في ظل الخوف. لا يطمئن رأس المال حيث لا يطمئن المواطن. ولا يزدهر اقتصاد في مجال عام مغلق، وبرلمان لا يسأل، وصحافة لا تراقب، وقانون تتغير قواعده كما تتغير نشرات الطقس. الحرية ليست زينة سياسية؛ إنها بنية تحتية للثقة.

البحر الأحمر يبقى الخاصرة المفتوحة في جسد الاقتصاد المصري. أي تهديد للملاحة في باب المندب يقترب فورًا من قناة السويس، ومن أحد أهم شرايين العملة الصعبة. القناة ليست خطًا أزرق على خريطة، بل رئة مالية؛ وإذا ضاق البحر، ضاق معه صدر الموازنة.

غزة لا تزال امتحان السياسة والضمير. الهدنة مطلوبة، لكنها لا تكفي إذا بقي المدنيون تحت النار، والمعابر تحت الحسابات، والحق الفلسطيني محاصرًا بين جداول الإغاثة ولغة الوسطاء. لا ينبغي أن تتحول القضية إلى إدارة مؤقتة للألم، ولا أن يصبح إدخال شاحنة مساعدات بديلًا عن فتح أفق الدولة والحرية والكرامة.

الدور المصري في غزة يجب أن يكون أكبر من نقل الرسائل. مصر التي دفعت من تاريخها وأمنها ووجدانها ثمن القضية الفلسطينية، لا يليق بها أن تقف عند حدود التهدئة الفنية. المطلوب سياسة تحمي المدنيين، وترفض التهجير، وتفتح المعابر، وتعيد فلسطين إلى موضعها الطبيعي: قضية حق لا ملف إغاثة.

لبنان يذكرنا بأن الاتفاقات الكبرى لا تنجح إذا تركت الجبهات الصغيرة تحترق. الجنوب والضاحية والشمال ليست خرائط بعيدة، بل صمامات ضغط في جسد إقليمي واحد. اتفاق يهدئ هرمز ولا يطفئ لبنان، ويخفض النفط ولا يوقف نزيف غزة، يظل نصف اتفاق ونصف طمأنينة.

السودان هو الجرح الجنوبي الأقرب إلى أمن مصر وضميرها. النزوح الواسع، واتساع استخدام المسيرات، وتآكل الدولة، ليست أخبارًا إفريقية بعيدة. إنها حدود ومياه وغذاء وهجرة وعمق تاريخي. كل فراغ في السودان يملؤه آخرون، وكل تأخر مصري وعربي في صناعة حل سياسي هناك يخصم من أمن وادي النيل كله.

العالم يدخل أسبوعًا اقتصاديًا صعبًا. النمو العالمي أقل ثقة، والديون أثقل على الدول النامية، والأسواق أكثر قسوة مع الحكومات التي تطلب الثقة ولا تقدم الشفافية. في مثل هذا العالم، لا يكفي أن ترفع الدولة صوتها بالشعارات. المطلوب أن تخفض صوت المكابرة، وأن ترفع قيمة الحقيقة.

مصر لا تحتاج جرعة جديدة من الطمأنة، بل تحتاج جرعة شجاعة من المصارحة. تحتاج موازنة تقول للناس أين تذهب الأموال، وبرلمانًا يسأل قبل أن يوافق، وحكومة تعترف قبل أن تبرر، واقتصادًا ينتج قبل أن يقترض، ودولة تفتح المجال العام بدل أن تضيق به.

قراءة هذا الصباح تقول إن تهدئة المضائق فرصة، لكنها ليست خلاصًا. انخفاض النفط راحة مؤقتة لا علاج دائم. تراجع التضخم إشارة لا انتصار. سداد المتأخرات ضرورة لا براءة. وموسم القمح بداية لا اكتفاء. أما غزة ولبنان والسودان والبحر الأحمر، فهي تذكير يومي بأن الداخل الضعيف لا تحميه الجغرافيا مهما اتسعت.

طريق النجاة لا يبدأ من إنكار الوجع، بل من الاعتراف به. ولا تعبر الدول أزماتها لأنها تمتلك خطابًا عاليًا، بل لأنها تمتلك عدالة القرار، وصدق الإدارة، وحرية المجتمع، وثقة الناس. مصر قادرة على العبور، لا لأنها محظوظة، بل لأنها تملك شعبًا يستحق دولة أفضل، وسياسة أعدل، واقتصادًا لا يطلب من الفقراء وحدهم أن يدفعوا ثمن أخطاء الكبار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى