مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: إرشادات لنجاة الأسرة من كابوس العصر (3)

تعد مجتمعاتنا العربية من أكثر المجتمعات مغالاة في المهور وتكاليف الزواج. ومع ذلك، لم تساهم هذه التكاليف الباهظة، والاهتمام بالمظاهر، واستيفاء الشكل الاجتماعي في توفير الاستقرار والسعادة لكثير من الأزواج. بل على العكس؛ زادت حالات الانفصال في مجتمعاتنا بصورة كبيرة، خاصة في أوساط المتزوجين حديثاً ممن لم تتجاوز مدة زواجهم عاماً واحداً.


​حتى إن بعض الدول العربية، عندما وجدت نسبة الطلاق في ازدياد مستمر، بدأت بعقد دورات توعية لمدة ثلاثة أشهر للمقبلين على الزواج، لتفادي مثل هذه الآفة التي تتسبب في تهاوي الأسرة وتفكك تماسكها الاجتماعي. ففي مصر مثلاً، ارتفعت نسبة الطلاق طبقاً لآخر الإحصائيات من 7% إلى 50%، حيث احتلت المركز الأول في الطلاق على مستوى العالم، وأوضحت التقارير أن حالات الطلاق زادت إلى 240 حالة يومياً، بمعدل حالة كل (6) دقائق!
​بالطبع، هذه النتائج غير مطمئنة على الإطلاق وقد تكون نذير شؤم على المجتمع؛ فالأسرة هي اللبنة الأولى في بنائه، فإذا انهارت سقط المجتمع وتشردت الأجيال.

​فما هي الأسباب وراء انتشار هذه الظاهرة الخطيرة؟


​إن انتشار أي ظاهرة في الحياة يكون مدفوعاً بأسباب ساعدت على وجودها وتوسعها. وتعالوا بنا نسلط الضوء على هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة التي نخرت في مجتمعنا واخترقته حتى النخاع، ونحاول أن نسبر أغوارها، أملاً في أن تتجلى لنا الحلول التي قد تساعدنا في علاجها لحفظ نسيج الأسرة من التفكك والضياع:

​أسباب ظاهرة الطلاق وطرق علاجها


​أولاً: سوء الاختيار والخلل القيمي
​هو السبب الرئيسي في المشاكل الزوجية، ويكمن في خلل المعايير المناسبة التي على أساسها يتم اختيار شريك الحياة. فالتوافق الفكري والتقارب المادي ضروريان لتحقيق التوازن الاجتماعي، وهذه أولى مراحل التناسب التي تحقق الانسجام الكامل بين الطرفين.

​ثانياً: غياب التفاهم ولغة الحوار.
يكاد الحوار المشترك والدائم يكون معدوماً بين الأزواج في مراحل ومشاكل الحياة المختلفة؛ بسبب تحول البيوت إلى ساحات صراع لفرض الإرادة والسيادة دون تقديم أي تنازلات من كلا الطرفين بهدف انتصار الذات. إن الكبرياء يهدم جسوراً تؤلف بين القلوب، ولو تخلت المرأة عن عنادها والرجل عن كبريائه لأصبحت الحياة ممكنة بينهما، ولجلب ذلك السعادة والدفء لحياتهما.

​ثالثاً: الاستعجال وعدم نضج الوعي.
يفتقر الكثير من الأزواج إلى الوعي الكافي بكيفية إقامة حياة مستقرة، معتمدين في ذلك على “الحس الفطري” فقط في التعامل، دون اكتساب مهارات حديثة تساير التغيير الذي يحدث في كل مراحل الحياة. ومن هنا يبدأ الملل يتسرب إلى العلاقة، مما يؤدي إلى صدام دائم، وقلة الرغبة في الحديث، وانعدام الرؤية المشتركة.

​رابعاً: تحوّل الاختلافات إلى خلافات.
يحدث هذا دون الالتفات إلى أن كل شخص له طباع خاصة مختلفة عن الآخر، ولو تم فهمها والتعامل معها جيداً لصنعت مساحات من التكامل تذوب معها أي فوارق، ولتغلّبا سوياً على عثرات الحياة دون المساس بكيان الأسرة.

​خامساً: الخرس الزوجي.
لغة الحوار هي الماء والهواء بالنسبة للزوجين، وهي التي سرعان ما تعالج أي مشكلة في الحياة بشكل مبكر قبل أن تتضخم وتتحول إلى كارثة كبيرة يصعب احتواؤها. فتدارك الأخطاء منذ البداية يجعل حلها سهلاً، وهذا لا يتم إلا بالحوار المستمر.

​سادساً: عدم تقاسم المسؤوليات.
إلقاء المسؤولية على طرف دون الآخر يهدم العلاقة؛ فالحياة مسؤولية مشتركة يتحملها كل من الزوجين بما يتوافق مع طبيعتهما. الزوجان ساعدان لا يعمل أحدهما دون الآخر، لذلك لا بد من السير في اتجاه مشترك لترسو سفينة الزواج على شاطئ الأمان. (كوني مع زوجك أينما ذهب، وشدي من روحه المعنوية، فهناك مثل يقول: “اجتازي إلى الضفة مع أمك، وخوضي المحيط مع زوجك”).

​سابعاً: غياب حسن الخلق والجفاء العاطفي.
حسن الخلق والحب هما الرابط الذي يضمن استمرار أي علاقة، فإذا انقطع انهارت. القلوب متقلبة وتحتاج إلى زمام الحكمة والخلق الحسن للسيطرة عليها وقت الغضب؛ فحين يملك الرجل نفسه وقت الغضب ويحتوي المواقف بعقل وحكمة تهدأ المرأة فوراً.
طبيعة المرأة: المرأة سريعة التأثر والتغيير، وعلى قدر سرعة غضبها يكون هدوؤها مع أول كلمة طيبة ترضيها. لذلك، فإن ازدراء عواطف المرأة وعدم ترضيتها ليس من كمال الدين فضلاً عن تمام الرجولة. النساء يحببن التصريح بالحب والدلال، وهذا ما يرفع حجاب الجفوة والجفاء؛ فالإطراء وحسن الثناء يولدان العاطفة والسعادة.
رأي الفكر: يقول الكاتب الفرنسي أندريه مورا:​ “الزوج الذي يمتاز بحدة العين وتوقد العاطفة، فيلمح ثوب زوجته ويتلمسه بشغف قبل أن تسأله رأيه فيه، هو بذلك يفتح باب السعادة على مصراعيه في حياته العائلية”.
إن تلك السعادة تحطم قيود الروتين الزوجي وهي دواء لكل آفاته، فاحتياج المرأة للعطاء المعنوي أهم بكثير من احتياجها للعطاء المادي.


تقول إحدى الزوجات الأمريكيات: “في صباح الذكرى العاشرة لزواجي كنت في المستشفى التي تبعد عن منزلي بحوالي 120 كم، وكنت في حالة نفسية سيئة لأنني وحيدة وزوجي يرعى الأولاد وشؤون المنزل. لكني فجأة تحسنت وأصبحت في أحسن حال عندما جلبت لي الممرضة باقة ورد من زوجي مع بطاقة مكتوب عليها: عشرة أعوام بصحبتك كأنها عشر دقائق، وعشر دقائق في بعدك كأنها عشرة أعوام”. فالكلمة الطيبة لها سحر في التأثير، وحالة المرأة المزاجية هي انعكاس لمعاملة الرجل لها.

​ثامناً: انعدام الثقة والغيرة القاتلة.
​الثقة هي عماد أي علاقة ومفتاح رئيسي للسعادة والإحساس بالأمان. وحين يتسرب الشك داخل كلا الزوجين تتصدع العلاقة وتحدث شرخاً كبيراً يؤدي إلى الانفصال الروحي أولاً، ثم المادي لاحقاً.
والثقة الواعية مع الحرص حماية للأسرة، بعكس الغيرة المفرطة التي تدمر العلاقة، وقد حذرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائلاً: ​«إنَّ مِنَ الغَيرةِ غَيرةً يُبغِضُها اللهُ عزَّ وجلَّ، وهي غَيرةُ الرَّجُلِ على أهلِهِ في غيرِ رِيبةٍ» (أي من غير شك أو دليل واضح)، فالاعتدال في الغيرة مطلوب من كلا الزوجين.
​قصة من التاريخ: لقد أحب نابليون الثالث (إمبراطور فرنسا) ماري جوزيف، وكانت من أجمل النساء في ذلك الوقت. ومع توافر كل مقومات السعادة لديهما، إلا أنهما لم يكونا سعيدين مطلقاً، والسبب هو الغيرة الحادة التي كانت تغارها عليه، حتى إنها كانت تتلصص عليه وهو جالس في غرفته يتابع شؤون البلاد ظناً منها أنه يتكلم مع امرأة أخرى! فكانت النتيجة أنه كرهها وكره كل مكان يراها فيه، وبدأت مسيرة التباعد والانفصال حتى مات الحب وخبت ناره وتحول إلى رماد.

​تاسعاً: غياب الصداقة بين الزوجين.
حين يصادق الرجل زوجته، يجعل منها زوجة دائمة البوح بكل صغيرة وكبيرة، تستشيره في أدق الأمور ولا تلجأ لأحد غيره. هذا يضفي تغييراً كبيراً في العلاقة الزوجية، فيخرجها من دائرة الرتابة والروتين التقليدي، ويخلق جواً مليئاً بالحب والبساطة؛ فالصداقة تذيب الفوارق وتبعث الاطمئنان في النفس.
​المرأة متقلبة المزاج كالريشة في مهب الريح، فلا تقسُ عليها كي تهدأ، ولكن عليك فقط أن تهدئ من ريح غضبك وسوف تستقيم لك على النحو الذي تريد. اجعلها دائماً وجهتك في سعادتك وحزنك، شاركها بهجتك، أضئ حياتها ببسمتك الدائمة، لا تكن فظاً غليظاً في تعاملك، اشكُ لها ما تشعر به، وضمها بين ذراعيك لتشعر بدفء أحضانك؛ فأنت لها أمان وهي عندك أمانة.
​إن الخطوات التي تتخذها للوراء في بعض الأحيان وقت الخلاف، هي في الحقيقة خطوات للأمام للحفاظ على استقرار الأسرة ووحدة نسيجها. والهزيمة في بعض المواقف تكون انتصاراً؛ ليس لنفسك، ولكن انتصاراً على عاصفة الغضب التي قد تغرق سفينة زواجكما. لذلك، فإن الحرص على استمرار جريانها في بحر الحياة هو مسؤوليتكما معاً، ويتطلب حكمة في معالجة منغصات الحياة التي لا يخلو منها أي بيت، مهما امتلك من أدوات السعادة والكمال

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى