اتفاق سري بين نيجيريا وإثيوبيا لنقل السجناء يكشف كوارث السجون الأفريقية

تتعاظم الأزمات الإنسانية داخل دهاليز السجون في قارة أفريقيا لتصل إلى نقطة الانفجار، حيث أعلنت نيجيريا وإثيوبيا عن توقيع اتفاق ثنائي في العاصمة أديس أبابا يقضي بنقل المحكوم عليهم بين البلدين، في خطوة دبلوماسية وُصفت بأنها محاولة يائسة من الدولتين لتخفيف الضغط المتصاعد داخل منظومات الاحتجاز المتهالكة التي تعاني من تكدس بشري غير مسبوق وتدهور حاد في كافة المعايير الصحية والآدمية.
يرتكز الاتفاق الذي وقعته وزيرة الخارجية النيجيرية بيانكا أودوميغوو أوجوكوو مع نظيرها الإثيوبي غيديون تيموثيوس على بنود تسمح بنقل السجناء لقضاء ما تبقى من عقوباتهم داخل أوطانهم، إلا أن هذه الخطوة تعد اعترافا ضمنيا بالعجز عن توفير أدنى مقومات الحياة للنزلاء، وتؤكد التقارير أن هناك ما يزيد عن 100 مواطن نيجيري يقبعون في سجون إثيوبيا، بينهم عدد كبير من النساء اللاتي يواجهن مصيرا مجهولا في ظروف احتجاز تفتقر لأبسط الحقوق القانونية والإنسانية المتعارف عليها دوليا.
يبرز سجن كاليتي في أديس أبابا كواحدة من أكثر النقاط قتامة في ملف الاحتجاز، حيث تشير التقارير إلى معاناة السجن من اكتظاظ خانق ونقص فادح في الرعاية الطبية، فضلا عن تردي الأوضاع الغذائية والبيئة الصحية العامة، وتتزايد المخاوف بشأن توقيف مسافرين في مطار بولي الدولي أثناء رحلات الترانزيت بتهم حيازة مواد ممنهجة، وسط مزاعم قوية بأن العديد من هؤلاء الضحايا وقعوا في شباك التوقيف دون إدراك حقيقي لطبيعة ما يحملونه في ظل غياب العدالة الشفافة.
تعاني نيجيريا من أزمة احتجاز تتجاوز طاقتها الاستيعابية بشكل مرعب، حيث كشفت التحقيقات المستقلة عن تكدس يصل في بعض المراكز إلى أكثر من 500 في المائة من القدرة القصوى للمنشآت، مما حول تلك السجون إلى مخازن بشرية تفتقر للهواء والضوء، وتزداد المأساة قسوة بالنظر إلى أن المحتجزين رهن المحاكمة يشكلون أكثر من 70 في المائة من إجمالي النزلاء، وهو ما يعني وجود آلاف الأشخاص الذين يقضون سنوات عمرهم خلف القضبان دون صدور أحكام قضائية نهائية بحقهم.
تتحول الدبلوماسية القضائية في هذا الاتفاق إلى وسيلة للهروب من المسؤولية، فبينما تحاول الحكومات تجميل الخطوة تحت مسميات التعاون الدولي والإنسانية، يرى المراقبون أن الأزمة الحقيقية تكمن في بنية العدالة الجنائية المتهاوية، حيث يظل الوصول إلى المحامين أو الحصول على محاكمة عادلة حلما بعيد المنال للمحتجزين، مما يضع أنظمة العدالة في الدولتين تحت مجهر الانتقادات الدولية والمطالبات الحقوقية بضرورة إجراء إصلاحات جذرية عاجلة.
تمثل هذه الخطوة التبادلية حلا مؤقتا لا يمس جذور المشكلة، إذ أن ترحيل السجناء لا يعالج ضعف البنية التحتية أو فساد الإجراءات أو التباطؤ القضائي المتعمد، ويؤكد الخبراء أن استمرار الاكتظاظ في نيجيريا وسوء الأحوال في إثيوبيا يؤشر على خلل بنيوي عميق، وأن هذا الاتفاق ما هو إلا ستار لإدارة أزمة تعجز المؤسسات عن احتوائها، مما يستدعي تحركا دوليا لمراقبة أوضاع السجون التي تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
يبقى التساؤل الملح حول مصير الآلاف من المنسيين داخل غياهب تلك السجون، وهل ستكون هذه الخطوة بداية لإنهاء عهود من الممارسات القمعية التي تجعل من السجون مراكز للموت البطيء، أم أنها ستظل مجرد إجراء إداري يهدف لامتصاص الغضب الحقوقي دون المساس بالسياسات التي أدت إلى تحويل العدالة إلى وسيلة لقهر الإنسان وسلب حريته في ظروف لا تليق بالبشر.







