أخبار العالمملفات وتقارير

التورط الفرنسي الخفي.. كيف تدعم باريس جيش الاحتلال بأدوات الفتك المميتة؟

يتكشف حجم التناقض الصارخ في السياسة الخارجية الفرنسية حينما يتحدث الرئيس إيمانويل ماكرون بلسان يدعو لوقف إطلاق النار في قطاع غزة ولبنان، بينما تعمل أجهزة الدولة في الخفاء على تزويد جيش الاحتلال بآلات القتل، ففي ختام القمة الفرنكوفونية يوم 5 أكتوبر 2024، أعلن الرئيس الفرنسي أن الاتساق يقتضي عدم توفير أسلحة الحرب لإسرائيل، غير أن هذا التصريح تبخر أمام واقع موثق يشير إلى استمرار 6 شركات فرنسية كبرى في ضخ المكونات العسكرية الحيوية لدعم العمليات الحربية الإسرائيلية.

تُوثق المذكرات التحليلية الصادرة عن “مرصد التسلح” في مدينة ليون، استمرار تعاون شركات مثل “إس تي مايكرو إلكترونيكس” و”سافران” و”إيرباص هليكوبتر” في توريد آلاف القطع الدقيقة التي تدخل في صناعة الصواريخ والطائرات الحربية والأقمار الاصطناعية، ورغم الحرب الضروس التي تشنها إسرائيل على المدنيين، لم تتوقف هذه الشركات عن تزويد جيش الاحتلال بما يحتاجه من مشغلات ميكانيكية وأنظمة بصرية وأجهزة استشعار متطورة للمركبات المدرعة، مما يجعل باريس شريكاً فعلياً في تعزيز القدرات التدميرية لآلة الحرب الإسرائيلية.

تتجاوز المسؤولية الفرنسية حدود الصادرات المباشرة لتصل إلى تحول المطارات الفرنسية ومنشآتها الجوية إلى محطة ترانزيت محورية لنقل المعدات العسكرية الأميركية إلى قواعد الاحتلال الجوية، ففي الفترة ما بين 4 إبريل 2025 و25 أكتوبر 2025، رُصدت 117 شحنة عسكرية انطلقت من قواعد أميركية ومقار شركة “لوكهيد مارتن” إلى قاعدة نيفاتيم الجوية الإسرائيلية عبر مطار “شارل ديغول”، حيث تحظى شركة “فيديكس” بتسهيلات إدارية تجعل من الميناء الجوي الفرنسي حلقة وصل لا غنى عنها في صيانة طائرات “إف 35 أي” التي استخدمت في مجازر غزة ولبنان.

يؤكد الحقوقي إمريك إيلوان أن الدولة الفرنسية تضع نفسها في دائرة خطر التواطؤ في جرائم الإبادة الجماعية التي أقرت محكمة العدل الدولية باحتمالية وقوعها في 26 يناير 2024، ومع ذلك تستمر الحكومة في التذرع بحجج واهية، زاعمة أن الشحنات مجرد مكونات وليست أسلحة كاملة، وهو عذر أقبح من ذنب يهدف إلى التخفف من المسؤولية الأخلاقية والقانونية، خاصة وأن هذه المكونات تُستخدم فعلياً في أنظمة هجومية تفتك بالمدنيين، وسط غياب تام للشفافية أو أي ضمانات تمنع وصول هذه المكونات إلى قلب المعارك الدامية.

تعتمد الاستراتيجية الفرنسية على استغلال جهل الرأي العام بقطاع الصناعات العسكرية، حيث تروج السلطات أن هذه الصادرات محدودة التأثير، بينما تؤكد التقارير أن المكونات الإلكترونية البسيطة قادرة على تحويل مسيرات زهيدة الثمن إلى أسلحة فتاكة تتفوق في قدرتها التدميرية على الصواريخ المليونية، ولا يجد إيلوان تفسيراً لهذا التقاعس سوى الارتهان لسياسات أبوية تطلب من الشعوب تصديق رواية الدولة الرسمية دون أدلة، مع تجاهل تام لأي محاسبة قانونية، حيث لم تصل الدعاوى القضائية المرفوعة منذ 12 عاماً بسبب مقتل أطفال فلسطينيين بمكونات فرنسية إلى أي نتيجة تذكر.

لا تهدف باريس من هذا التعاون إلى تحقيق عوائد مالية ضخمة، فنسبة الصادرات العسكرية لإسرائيل لا تتجاوز 0.28% من إجمالي مبيعات السلاح الفرنسية، بل تكمن الغاية الحقيقية في نهم السلطات الفرنسية للاستفادة من التقدم التقني الإسرائيلي في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي والمسيرات التي جرى اختبارها ميدانياً على جثث الفلسطينيين، مما يكشف عن ارتهان التكنولوجيا العسكرية الفرنسية لابتكارات الاحتلال، في محاولة يائسة لتعويض تراجع جودة المنتجات الوطنية بعد عقود من انكماش ميزانيات الدفاع.

ينتهي هذا المسار المشبوه إلى علاقة غير متوازنة، حيث تتعرض فرنسا للإهانة السياسية من قبل الاحتلال الذي يستبعدها من مسارات التفاوض، بينما تستمر باريس في الانحناء أمام العاصفة خوفاً من تداعيات داخلية، لتتآكل استقلالية القرار الدبلوماسي الفرنسي وتغدو باريس مجرد أداة في يد إسرائيل، التي تستخدم أجهزتها الاستخباراتية لتغذية التوترات الداخلية الفرنسية ودعم اليمين المتطرف، مما يثبت أن الحسابات الحزبية والانتخابية هي المحرك الأول للقرار في قصر الإليزيه، حتى لو كان ذلك على حساب دماء الأبرياء واستباحة القانون الدولي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى