مقالات وآراء

حسام بدراوي يكتب: المفارقة الإسكندنافية.. لماذا لا تكفي المساواة لحماية المرأة؟

حين نتحدث عن العنف ضد المرأة، يتجه ذهن كثيرين فورًا إلى المجتمعات الفقيرة أو التقليدية، حيث التعليم أقل، والاستقلال الاقتصادي للمرأة أضعف، والقوانين أقل حماية لها، لكن ماذا لو كانت الحقيقة أكثر تعقيدًا؟ 

ماذا لو أخبرتكم أن بعض أعلى نسب العنف ضد المرأة سُجلت في دول تُعتبر النموذج العالمي للمساواة بين الجنسين، مثل السويد وفنلندا والدنمارك؟
 
هذه الظاهرة أطلق عليها الباحثون اسم «المفارقة الإسكندنافية».
 
ففي الوقت الذي تتصدر فيه دول شمال أوروبا مؤشرات التعليم والرفاهية والمساواة، تشير الدراسات إلى أن نسب النساء اللاتي تعرضن لعنف جسدي أو جنسي خلال حياتهن تصل إلى ما يقرب من نصف النساء، بل تتجاوز ذلك أحيانًا.
 
فهل يعني هذا أن المرأة في هذه الدول أقل أمانًا من المرأة في دول أخرى؟
 
ليس بالضرورة.
 
فالسبب الأول قد يكون أن تعريف العنف هناك أوسع كثيرًا؛ إذ لا يقتصر على الضرب أو الاعتداء الجنسي، بل يشمل الإكراه النفسي، والسيطرة الاقتصادية، والتهديد، والعنف اللفظي، وأنماطًا أخرى من السلوك كانت تُعتبر في مجتمعات أخرى «خلافات أسرية» أو «أمورًا خاصة».
 
والسبب الثاني أن النساء أكثر استعدادًا للإبلاغ عن تعرضهن للعنف. فالمجتمع لا يلوم الضحية، والقانون يوفر الحماية، ومؤسسات الدولة أكثر قدرة على الاستجابة.
 
لكن حتى بعد أخذ هذه العوامل في الاعتبار، يبقى السؤال قائمًا:
 
لماذا يستمر العنف في مجتمعات بلغت هذا المستوى من التقدم؟
 
ربما لأن المشكلة ليست فقط في القوانين، ولا في الاقتصاد، ولا حتى في الثقافة.
 
ربما تكمن جذور العنف في الإنسان نفسه.
 
فالإنسان يحمل داخله نزعات متناقضة؛ القدرة على الحب والرغبة في السيطرة، الميل إلى التعاون والنزوع إلى الهيمنة، الاستعداد للتضحية والسعي إلى امتلاك الآخر.
 
وعندما يشعر بعض الرجال بأن مكانتهم التقليدية تهتز، أو أن السلطة التي اعتادوا ممارستها أصبحت موضع سؤال، قد يتحول هذا الشعور إلى عنف، سواء كان جسديًا أو نفسيًا.
 
المساواة إذن لا تُنتج بالضرورة إنسانًا جديدًا.
 
إنها تخلق إطارًا أكثر عدلًا، لكنها لا تلغي الغيرة، ولا الخوف، ولا الرغبة في السيطرة.
 
ولهذا فإن معركة حماية المرأة ليست معركة قوانين فقط.
 
إنها معركة تربية.
 
معركة ثقافة.
 
معركة إعادة تعريف القوة ذاتها.
 
فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على فرض الإرادة، بل في القدرة على احترام حرية الآخر.
 
وربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه لنا «المفارقة الإسكندنافية» هو أن التقدم لا يقاس فقط بما نكتبه في الدساتير، ولا بما تحققه النساء من نجاح اقتصادي أو سياسي.
 
بل يقاس بقدرة الإنسان على أن يرى في الآخر شريكًا لا تابعًا، وإنسانًا كامل الحقوق لا موضوعًا للسيطرة.
 
فالعنف ضد المرأة ليس مشكلة شرق أو غرب.
 
إنه سؤال عن طبيعة الإنسان.
 
وسؤال كهذا لا توجد له إجابة نهائية.
 
لكنه يستحق أن نطرحه باستمرار، لأن الحضارة الحقيقية لا تبدأ عندما تصبح المجتمعات أكثر ثراءً، بل عندما يصبح البشر أكثر إنسانية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى