د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (17).. الزراعة والغذاء والمياه (2).. الماء… معركة البقاء

بقلم د. أيمن نور
ارتبطت الحضارة المصرية منذ فجر التاريخ بالنهر الذي منح الأرض خصوبتها ومنح الإنسان فرصة الاستقرار وصناعة الدولة. لم يكن النيل مجرد مجرى مائي يمر عبر البلاد، بل كان شريان الحياة الذي تشكلت حوله الجغرافيا والاقتصاد والثقافة والوجدان الوطني.
لهذا ظل المصريون عبر آلاف السنين ينظرون إلى الماء باعتباره مرادفًا للحياة نفسها.
القرن الحادي والعشرون جاء بمعادلات مختلفة تمامًا.
عدد السكان تضاعف مرات عديدة.
الاحتياجات الزراعية والصناعية تضخمت بصورة غير مسبوقة.
التغير المناخي أصبح واقعًا يفرض نفسه على الجميع.
مصادر المياه التقليدية تعرضت لضغوط متزايدة.
أما المنطقة بأكملها فأصبحت تعيش واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ إدارة الموارد المائية.
الحديث عن المياه لم يعد ملفًا فنيًا يقتصر على المتخصصين.
أصبح قضية سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية من الدرجة الأولى.
وأصبح الأمن المائي جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي الحديث.
فالدولة التي تفقد قدرتها على إدارة مواردها المائية تفقد تدريجيًا قدرتها على إدارة كثير من الملفات الأخرى.
مصر اليوم تُصنف ضمن الدول التي تعاني من الفقر المائي وفق المعايير الدولية.
نصيب الفرد من المياه يتراجع بصورة مستمرة مع تزايد عدد السكان وثبات الموارد التقليدية تقريبًا.
الأرقام وحدها تكشف حجم التحدي.
لكن الأخطر من الأرقام هو استمرار التعامل مع القضية باعتبارها أزمة موسمية أو ظرفًا مؤقتًا يمكن تجاوزه بقرارات إدارية محدودة.
المشكلة في حقيقتها أعمق بكثير.
معركة المياه في مصر ليست معركة خارجية فقط كما يتصور البعض.
صحيح أن إدارة الأنهار الدولية تمثل عنصرًا بالغ الأهمية.
وصحيح أن الحفاظ على الحقوق التاريخية والقانونية للدولة يمثل واجبًا وطنيًا لا يقبل التهاون.
لكن جزءًا مهمًا من المعركة يدور داخل حدودنا نحن.
في طريقة استخدام المياه.
وفي كفاءة إدارتها.
وفي حجم الفاقد منها.
وفي نمط المحاصيل التي نزرعها.
وفي التكنولوجيا التي نستخدمها.
وفي الثقافة المجتمعية المرتبطة بالمياه.
مليارات الأمتار المكعبة تضيع سنويًا بسبب شبكات متهالكة أو نظم ري تقليدية أو غياب الصيانة أو سوء الإدارة.
ومع أن الدولة بدأت خلال السنوات الأخيرة برامج واسعة لتبطين الترع وتطوير بعض نظم الري، فإن الطريق ما زال طويلًا ويحتاج إلى رؤية أكثر شمولًا.
المطلوب ليس مجرد مشروع هندسي.
المطلوب ثورة كاملة في إدارة المياه.
الري بالغمر الذي ظل لعقود طويلة الأسلوب السائد في أجزاء واسعة من الأراضي الزراعية أصبح عبئًا لا تستطيع مصر المستقبل تحمله.
التجارب الدولية أثبتت أن نظم الري الحديثة قادرة على توفير نسب كبيرة من المياه مع زيادة الإنتاجية في الوقت نفسه.
المعادلة لم تعد اختيارًا بين الإنتاج والحفاظ على المياه.
التكنولوجيا الحديثة تسمح بتحقيق الأمرين معًا.
ولهذا فإن التحول التدريجي والمدروس نحو الري الحديث يجب أن يصبح هدفًا وطنيًا لا يقل أهمية عن أي مشروع استراتيجي آخر.
قضية المياه لا تنفصل عن قضية البحث العلمي.
جامعات العالم ومراكز البحوث الزراعية تطور سنويًا أصنافًا جديدة أقل استهلاكًا للمياه وأكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية القاسية.
أما الدول الناجحة فتعامل البحث العلمي باعتباره استثمارًا طويل الأجل لا بندًا هامشيًا في الموازنة.
مصر تملك عقولًا علمية قادرة على الإبداع.
لكن هذه القدرات تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالعمل والتطوير والتطبيق.
تغير المناخ يضيف بعدًا جديدًا للمشكلة.
ارتفاع درجات الحرارة.
تزايد فترات الجفاف.
اختلال أنماط الأمطار في بعض المناطق.
ارتفاع مستوى سطح البحر وتأثيره المحتمل على دلتا النيل.
كل ذلك يجعل إدارة المياه خلال العقد القادم أكثر تعقيدًا مما كانت عليه خلال العقود السابقة.
ولهذا فإن التخطيط للمستقبل لا يجوز أن يعتمد على افتراضات الأمس.
دول عديدة نجحت في تحويل الندرة إلى فرصة.
سنغافورة أعادت تدوير المياه على نطاق واسع.
هولندا طورت نماذج متقدمة لإدارة الموارد المائية.
أستراليا بنت سياسات متكاملة للتعامل مع الجفاف الممتد.
المغرب استثمر بقوة في تحلية المياه والري الحديث.
والدروس المستفادة من هذه التجارب تؤكد أن المشكلة ليست دائمًا في حجم الموارد المتاحة، بل في كفاءة إدارتها.
التحلية ستصبح جزءًا مهمًا من معادلة المستقبل.
خاصة في المدن الساحلية والمناطق الجديدة.
لكن التحلية وحدها ليست الحل.
تكلفتها الاقتصادية مرتفعة.
واحتياجاتها من الطاقة كبيرة.
ولهذا يجب أن تكون جزءًا من منظومة متكاملة تشمل الترشيد وإعادة الاستخدام والتكنولوجيا الحديثة وحماية الموارد القائمة.
المياه ليست مسؤولية الحكومة وحدها.
وليست مسؤولية الفلاح وحده.
وليست مسؤولية المهندس أو الباحث وحده.
إنها مسؤولية مجتمع كامل.
فكل لتر يُهدر اليوم قد يتحول غدًا إلى أزمة يدفع ثمنها الجميع.
وكل قطرة تُحسن إدارتها تمثل استثمارًا في مستقبل الأجيال القادمة.
مصر الممكنة لا تنظر إلى المياه باعتبارها أزمة دائمة، بل باعتبارها تحديًا يمكن إدارته بكفاءة إذا توافرت الإرادة والرؤية والعلم.
الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد.
بل بما تملكه من قدرة على إدارة تلك الموارد.
والشعوب لا تصنع مستقبلها بما ورثته من الطبيعة فقط.
بل بما تضيفه من عقل وإبداع وتنظيم.
لهذا فإن معركة المياه ليست معركة نقص موارد فحسب.
إنها معركة إدارة.
ومعركة وعي.
ومعركة مستقبل.
ومن يكسب هذه المعركة يضمن لنفسه مكانًا آمنًا في عالم يزداد عطشًا يومًا بعد يوم.
الحلقة القادمة:
الفلاح المصري… البطل المنسي







