حدث في مثل هذا اليومذاكرة التاريخ

“سندباد العسكرية المصرية”.. في ذكرى رحيل الأب الروحي للضباط الأحرار الفريق عزيز المصري

يوافق اليوم السادس عشر من يونيو ذكرى رحيل القائد العسكري الأسطوري، الفريق عزيز المصري (1879 – 1965)، الذي غادر عالمنا في مثل هذا اليوم عام 1965. يُلقب المصري بـ “أبو الثوار” و”سندباد العسكرية”، وهو رمزٌ للفروسية الوطنية والنزاهة العسكرية، حيث عاش حياته مناضلاً في ميدانين: ميدان الحرب ضد الاستعمار، وميدان بناء الجيش الوطني المصري على أسس حديثة.

حياة الفارس: من ثورة الأتراك إلى قيادة الجيش المصري

وُلد الفريق عزيز المصري عام 1879 لعائلة شركسية عريقة، وبدأ مسيرته العسكرية في صفوف الجيش العثماني، لكن روحه الوطنية قادته للتمرد على الاستبداد. ذاع صيته كبطل لا يعرف الخوف، ونجا من أحكام الإعدام في تركيا بفضل ضغوط الرأي العام المصري، ليعود إلى الوطن كرمز للتحرر.

عُرف عنه ابتكاره وتطويره؛ فكان أول من أدخل الكلاب البوليسية لتقصي أثر المجرمين في مصر، وتولى إدارة مدرسة البوليس، مؤمناً بأن الأمن يحتاج إلى عقلٍ مبدع بقدر حاجته إلى القوة.

مع فاروق: الصدام الحتمي بين “المعلم” و”التلميذ”

في محاولة من الملك فؤاد لإعداد ابنه فاروق، اختار عزيز المصري ليكون مرافقاً للأمير في بعثته إلى إنجلترا، ليغرسه بالانضباط العسكري. لكن التجربة فشلت بسبب تدخلات الحاشية التي أفسدت العلاقة بين التلميذ ومعلمه. وقد كانت التقارير التي كتبها “المصري” عن سلوك فاروق غير المنضبط في لندن بمثابة شرارة العداء التي لم تنطفئ، لتؤكد أن الرجل كان يضع “المصلحة الوطنية” فوق أي اعتبار سياسي أو ملكي.

البصيرة العسكرية: مهندس “معركة العلمين”

لعل الموقف الأبرز الذي يخلد عبقريته العسكرية هو صدامه مع الجنرال البريطاني “ستون” عام 1941، حين رفض عزيز المصري زج الجيش المصري في معركة غير متكافئة مع قوات المحور. أشار المصري على الخريطة إلى منطقة “العلمين” مؤكداً أنها “عنق الزجاجة” التي يجب تحصينها. وقد صدقت نبوءته تماماً حين تحولت العلمين بعد عام واحد إلى ساحة الانتصار الحاسم للحلفاء، مما يؤكد أن التاريخ العسكري العالمي مدين بفضل كبير لهذا القائد المصري.

الأب الروحي للضباط الأحرار

لم يكن عزيز المصري مجرد ضابط كبير، بل كان الأب الروحي لجمال عبد الناصر والضباط الأحرار. كان يلهم الشباب بروح “الإيمان” والقوة، وكان بطلنا الراحل أنور السادات يرى فيه المخلص الذي يمكنه أن يقود مصر، حيث قال عنه: “إن كان معك خمسة أفراد مؤمنين فانا مستعد أن احمل مسدسي وأتقدمكم لعمل أي شيء لإنقاذ مصر”.

عانى الفريق المصري من السجن والإقامة الجبرية على يد الاحتلال البريطاني، لكنه ظل ثابتاً على مبادئه، مشاركاً في إعداد المجاهدين بفلسطين عام 1948، ومقدماً خططاً دفاعية لرد العدوان الثلاثي عام 1956.

الوداع الأخير: رحيل وحيد وخلود في ذاكرة الوطن

توفي عزيز المصري وحيداً في منزله في 16 يونيو 1965، بعد رحلة طويلة من الترحال والجهاد، ليطوي بوفاته صفحة من أزهى وأشجع صفحات العسكرية المصرية. كُرم الرجل بإطلاق اسمه على أحد أهم شوارع القاهرة (شارع جسر السويس سابقاً)، ليظل اسمه محفوراً في ذاكرة الأمة كفارس نبيل، لم ينحنِ يوماً إلا لكرامة الوطن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى