إخفاء قسري وموت تحت التعذيب.. كيف حول النظام البائد حياة السوريين لجحيم

يستمر أثر العنف الممنهج الذي مارسه النظام البائد في تحويل بيوت السوريين إلى ساحات للانتظار المظلم، حيث تعيش آلاف العائلات حالة من “الفقدان الغامض” التي تفرضها سياسات الإخفاء القسري التي استهدفت المعتقلين في الزنازين، وبات الغموض حول مصير هؤلاء المفقودين جزءاً لا يتجزأ من المعاناة اليومية لذويهم الذين أمضوا سنوات طويلة معلقين بين احتمالات قاسية تتأرجح بين الموت المكتوم والتعذيب المستمر، وهو ما جعل من الانتظار أداة تعذيب نفسي تمارسها السلطات بحق المجتمع بأسره.
تؤكد التقارير الحقوقية والشهادات الميدانية أن هذا النمط من القهر اتخذ طابعاً منهجياً يهدف إلى قطع أي خيط يقود إلى معرفة مصير المعتقلين، مما حول السجون إلى مطاحن لكرامة البشر ومصانع للقلق والاضطراب النفسي الذي يلاحق العائلات، ولعل فاجعة الطبيبة رانيا العباسي وزوجها الدكتور عبد الرحمن ياسين وأطفالهما الستة بالإضافة إلى سكرتيرة العيادة مجدولين القاضي تمثل ذروة التوحش في هذه الممارسات، حيث أعلنت وزارة الداخلية السورية مؤخراً مقتل الأطفال الستة خنقاً بأشرطة بلاستيكية بعد 13 عاماً من الغموض.
يعاني أهالي أكثر من 100 ألف شخص مفقود منذ عام 2011 من تداعيات ما تصفه الباحثة بولين بوس بـ”الفقدان الغامض”، وهي حالة نفسية مزمنة تمنع العائلات من الوصول إلى مرحلة الحداد الطبيعي، فالإنسان في هذه الحالة لا يستطيع الموت الكامل أو الحياة الكاملة، بل يظل الغائب حاضراً في الذاكرة والقلب بينما يظل مصيره معلقاً خارج دائرة الحقيقة، مما يضع الأسر في دوامة من التوتر المزمن الذي يعطل قدرة الإنسان على التوازن العاطفي والاجتماعي.
سياسات التغييب الممنهج
يكشف تقرير “شبكة العذاب” الصادر في يناير 2025 أن الإخفاء القسري لم يكن مجرد تصرفات فردية، بل كان سياسة مركزية مارسها النظام البائد لقطع أي أثر يؤدي إلى المعتقلين، وتتحول هذه السياسات في الحياة اليومية إلى صدمات متلاحقة، حيث تشير الدراسات النفسية إلى أن الصدمة تنشأ عندما يعجز الفرد أمام قوة ساحقة تتجاوز قدرته على الفهم، وهو ما يفسر أعراض الكوابيس ونوبات الحزن الحادة التي تلازم أهالي المفقودين، والذين يضطر بعضهم لتمني الموت لأحبائهم ليكون نهاية لألم التعذيب الذي لا يتوقف.
صراع الحقيقة والعدالة
تطالب عائلات المفقودين اليوم بأربعة حقوق أساسية لا تقبل التجزئة وهي الحقيقة والعدالة والتعويضات وضمانات عدم التكرار، ويظل المطلب الأول المتمثل في معرفة الحقيقة هو المدخل الوحيد لإنهاء حالة الفوضى النفسية التي يعيشونها، فالأهالي يسعون لإنهاء حالة الانتظار الأبدي التي تحرق أعصابهم، سواء بتأكيد الوفاة أو الإفراج عن الأحياء، لأن العيش في هاوية الاحتمال يظل أكثر إيلاماً من مواجهة الواقع مهما كان قسوة.
يتجاوز أثر هذا الفقدان البعد الفردي ليصبح جزءاً من البنية التفكيكية للمجتمع السوري، حيث تعيد سياسات الإخفاء تشكيل مفهوم الزمن والحضور داخل العائلة، مما يجعل من المفقود حاضراً نفسياً بشكل دائم رغم غيابه الجسدي، وهذه الحالة من “اللوعة المعلقة” تتطلب جهوداً دولية ومحلية متسقة للكشف عن المصائر، والانتقال بالمجتمع من مرحلة الغموض القسري إلى مرحلة الكشف عن الحقائق التي تتيح للضحايا وذويهم طي صفحات الألم والبحث عن العدالة المرجوة.







