العالم العربيملفات وتقارير

اغتصاب الأطفال في اليمن: انهيار المنظومة القانونية وتواطؤ الأعراف القبلية في الصمت

تتفاقم مأساة اغتصاب الأطفال في اليمن لتكشف عن انهيار هيكلي في مؤسسات الدولة وتواطؤ أمني خطير يغلف قضايا الاعتداء الجنسي بستار الستر الاجتماعي المزعوم. تشير التقارير الميدانية إلى أن قضايا العنف الجنسي ضد القاصرين تحولت إلى ملف شائك تصطدم فيه العدالة بسطوة النفوذ، حيث يتم إجبار الضحايا وعائلاتهم على توقيع صكوك تنازل داخل مراكز الشرطة بدلاً من نيل حقوقهم القانونية، مما يعمق الجروح النفسية للناجين ويمنح الجناة حصانة غير معلنة في ظل غياب الرقابة الحقيقية.

تتعدد صور الجريمة لتشمل اعتداءات جنسية يرتكبها نافذون في الألوية العسكرية، كما حدث في قضية طفل الممدارة، حيث استغل المعتدون مواقعهم لفرض تسوية قسرية على أسرة الطفل. هذه الواقعة لم تكن استثناء، بل هي نموذج لواقع مؤلم يعيشه المئات في الغرف المغلقة بعيداً عن أضواء الإعلام. تؤكد الوقائع أن سنوات النزاع منذ عام 2015 أسهمت في تسيس مؤسسات إنفاذ القانون، مما أدى إلى عجز شبه كامل في توفير الحماية للأطفال، وتركهم عرضة للاستغلال في مناطق سيطرة مختلف أطراف النزاع.

يؤكد الأخصائيون النفسيون أن هؤلاء الأطفال يواجهون صدمات حادة تطور إلى اكتئاب عميق واضطرابات سلوكية تهدد استقرارهم النفسي والاجتماعي. يفتقر اليمن إلى مراكز تخصصية للتأهيل النفسي، مما يضطر الأسر نحو كبت تلك التجارب القاسية خوفاً من الوصمة المجتمعية الجائرة. يحذر المختصون من أن هذا التكتم يمثل كارثة وطنية، حيث تتراكم الآثار النفسية لدى الضحايا، وقد تتحول في بعض الحالات المأساوية إلى إعادة إنتاج لأنماط الإساءة نفسها، مما ينقل الضرر إلى أجيال جديدة ويوسع دائرة الانهيار القيمي والأخلاقي داخل المجتمع اليمني.

تكشف الشبكة اليمنية للحقوق والحريات عن توثيق 167 حالة اغتصاب واعتداء جنسي ارتكبها أفراد تابعون لجماعة الحوثي، وهي إحصائية مفزعة ضمن سلسلة انتهاكات تجاوزت 29 ألف حالة طالت الطفولة منذ يناير/كانون الثاني 2015. تتقاطع هذه الانتهاكات مع عمليات الاختطاف، والتجنيد الإجباري، وحرمان الملايين من التعليم، مما جعل الطفل اليمني في مواجهة مصير مجهول. يؤكد حقوقيون أن 70% من مساحة البلاد، خاصة في المناطق الريفية، باتت تخضع للمقاربات القبلية التي تسعى لإنهاء قضايا الاغتصاب بتسويات مجحفة تحمي الجاني وتطمس حق الضحية.

يواجه القضاء تحديات تشريعية جسيمة، حيث تصنف المادة 269 من قانون العقوبات اغتصاب الأطفال ضمن الجرائم المخلة بالأخلاق بدلاً من اعتبارها جناية ضد سلامة الإنسان، مما يمنح القضاء سلطة تقديرية قد تؤول لتخفيف العقوبات. كما يوجد تضارب صارخ في تعريف سن الطفولة بين قانون العقوبات وقانون حقوق الطفل. هذا القصور التشريعي، بالتوازي مع شح المحاكم التخصصية التي لا يتجاوز عددها 7 محاكم في كامل البلاد، يعزز من فرص إفلات الجناة من العقاب، ويجعل من حماية الطفولة مجرد شعارات ترفعها وكالات دولية عاجزة عن تقديم دعم حقيقي للناجيات.

تتحول المساعدات الدولية لملف الحماية إلى أرقام نظرية لا تنعكس على الواقع، حيث تفتقر البلاد لأبسط مقومات الدعم الطبي والنفسي لضحايا العنف الجنسي. يظل ملف الحماية رهينة للحسابات السياسية والضغوط الأمنية، في وقت ترتفع فيه معدلات الفقر إلى 80%، مما يضاعف من هشاشة الأطفال أمام ذئاب بشرية تستغل الفقر والنزوح. يتطلب إنقاذ الطفولة في اليمن انتفاضة مؤسسية تبدأ بتفعيل القانون، وتجريم التسويات العرفية في جرائم الاغتصاب، وإخضاع المتورطين لمحاكمات علنية رادعة توقف مسلسل استباحة براءة الأطفال في ظل صمت مريب ومستقبل يزداد قتامة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى