القصف الإسرائيلي بالفوسفور الأبيض يحرق جنوب لبنان ويدمر البيئة والموارد الوطنية

يستمر استخدام القوات الإسرائيلية لمادة الفوسفور الأبيض الحارقة فوق مناطق لبنانية مأهولة بالسكان، في تصعيد عسكري يتجاهل كافة القوانين والأعراف الدولية، حيث توثق التحقيقات الميدانية استمرار إطلاق هذه القذائف المحرمة على بلدات جنوب لبنان، مما يرفع من وتيرة المخاطر البيئية والصحية التي تهدد حياة المواطنين ومستقبل الأراضي الزراعية، وسط غياب تام لأي رادع دولي يوقف هذا التدمير المنهجي والمستمر.
يعزز تحقيق نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأدلة القاطعة حول استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض، وذلك بعد تحليل مقاطع فيديو وصور دقيقة أظهرت آثار الدخان الأبيض الكثيف فوق مدينة النبطية في 30 مايو الماضي، وبالتزامن مع السيطرة على قلعة الشقيف، كما جرى توثيق استخدامها في محيط مدينة صور وبلدات قليا والخيام ويحمر منذ تجدد المواجهات في مارس الماضي، مما يؤكد تعمد القوات الإسرائيلية استخدام هذه الذخائر الحارقة فوق تجمعات مدنية.
يؤكد سجل الانتهاكات أن لبنان تقدم بأربع شكاوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة منذ أكتوبر 2023، مشيراً في إحدى رسائله الرسمية الموجهة في يوليو 2024 إلى اندلاع أكثر من 600 حريق في جنوب البلاد نتيجة استخدام الفوسفور الأبيض، وتكشف بيانات المجلس الوطني للبحوث العلمية أن القوات الإسرائيلية أطلقت 284 قذيفة فوسفورية بين 8 أكتوبر 2023 و27 نوفمبر 2024، فيما تم توثيق إطلاق 92 قذيفة إضافية بين 2 مارس و16 أبريل 2026.
تتفاقم التداعيات الكارثية لهذا القصف، حيث أشار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تضرر أو احتراق نحو 47 ألف شجرة زيتون نتيجة القصف بالفوسفور الأبيض، في أكبر ضربة للغطاء الزراعي الحدودي، كما تظهر تقارير وزارة الزراعة الصادرة في 5 مايو 2026 أن مساحات الأراضي المتضررة بلغت أكثر من 56 ألف هكتار، تركزت غالبيتها في جنوب لبنان، مع تسجيل أكثر من 18,559 هكتاراً تعرضت للدمار المباشر جراء القصف المستمر، مما أدى لخسارة مواسم زراعية وتوقف الاستثمار.
يواجه المدنيون في القرى الحدودية مخاطر صحية مباشرة جراء استنشاق أبخرة الفوسفور الأبيض التي تسبب اختناقاً وحروقاً بالغة، حيث سجلت مصادر طبية في الجنوب نحو 150 حالة إصابة بين مدنيين ومزارعين ورعاة عانوا من ضيق حاد في التنفس وحروق في العينين، في وقت تشير فيه النائبة والباحثة نجاة صليبا عون إلى أن الفوسفور الأبيض يتحول في الهواء إلى مركبات حمضية تتفاعل مع الحجر الكلسي للمواقع الأثرية، وتتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، مما يعني بقاء آثار التلوث لأوقات طويلة.
يؤكد المحامي فارس أبي خليل أن الشكاوى اللبنانية المقدمة تحت الأرقام (A/78/956) و(S/2024/525) تستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقات جنيف لعام 1977، والبروتوكول الثالث لاتفاق الأسلحة التقليدية، معتبراً أن أهمية هذه الشكاوى تكمن في تثبيت الوقائع قانونياً وحفظ الأدلة اللازمة للمطالبة بالتعويضات والمساءلة الدولية مستقبلاً، حتى وإن ظلت الملاحقات الجنائية تواجه عوائق التوازنات السياسية الدولية الراهنة.
يستمر هذا النهج العسكري التدميري في ضرب مقومات العيش في جنوب لبنان، حيث تظهر نتائج فحوصات التربة التي جمعت من أكثر من 134 عينة في المناطق المتضررة مستويات تلوث تتجاوز المعدلات الطبيعية بأضعاف كبيرة، وصلت في بعض المناطق إلى نحو 1000 مرة أعلى من المعتاد، مما يحول المناطق الحدودية إلى بيئات متضررة تحتاج لسنوات طويلة وعمليات استصلاح معقدة، في وقت لا يزال فيه آلاف المزارعين ينتظرون التحرك لتعويضهم وإعلان حالة طوارئ بيئية لإنقاذ ما تبقى من أراضي.







