شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: لماذا يخشون المصير المشترك؟ الهجوم على مبادرة باريس… ومحنة الحوار في عالم عربي مأزوم

الأفكار التي لا تترك أثرًا تمر عادة في صمت، والمبادرات التي لا تمس المستقبل لا تستدعي بيانات رفض ولا حملات تشويه ولا مقالات هجوم. أما مبادرة «المصير المشترك 2035» فقد واجهت منذ أيامها الأولى موجة من التشكيك والتأويل والاتهام، بما يكشف أن بعض خصومها قرأوا فيها ما هو أبعد من مجرد لقاء عابر أو بيان سياسي.

لم تكن المبادرة مشروعًا لتأسيس تنظيم جديد، ولا منصة لصناعة زعامة، ولا محاولة لتدويل صراع سياسي محلي، ولا بحثًا عن وصاية أجنبية. كانت محاولة لإعادة فتح حوار متوسطي جديد حول مستقبل منطقة تتشابك فيها المصالح والتحديات والمخاطر بصورة لم تعد تسمح لأي طرف بالعيش داخل أسواره القديمة.

العالم الذي يتشكل أمامنا ليس عالم الحدود المغلقة، بل عالم المصائر المتداخلة. فالهجرة التي تنطلق من الجنوب تؤثر في الشمال، والطاقة التي تُنتج في الشرق تؤثر في الغرب، والأزمات البيئية والاقتصادية والأمنية لم تعد تعرف جوازات السفر ولا نقاط العبور. ومن هنا جاءت فكرة «المصير المشترك»؛ ليس باعتبارها شعارًا أدبيًا، بل باعتبارها وصفًا دقيقًا لواقع جديد يفرض نفسه على الجميع.

اللافت أن معظم من هاجموا المبادرة لم يناقشوا نصها، ولم يناقشوا أهدافها، ولم يتوقفوا أمام ما طرحته من رؤى تتعلق بالشباب والتنمية والطاقة والمناخ والتعليم والاستثمار والتعاون الثقافي والإنساني. بل انشغلوا بأسماء المشاركين أو مكان انعقاد اللقاء أو بمحاولات إدراجها داخل قوالب سياسية جاهزة.

أولى المزاعم التي تكررت أن المبادرة تمثل لجوءًا إلى الخارج أو استقواءً بحكومات أجنبية. وهنا تكمن أولى المغالطات الكبرى. فالمبادرة لم تتوجه إلى أي حكومة، ولم تطلب دعمًا من أي سلطة تنفيذية، ولم تسع إلى استصدار موقف من دولة ضد أخرى، ولم تبحث عن تدخل أجنبي في شأن داخلي. بل قامت منذ البداية على التواصل مع الشعوب عبر ممثليها المنتخبين داخل البرلمانات والمؤسسات الديمقراطية، وعلى الحوار مع الرأي العام الأوروبي من خلال أدواته الطبيعية والمشروعة.

فاللقاءات التي جرت في البرلمان الفرنسي أو مجلس العموم البريطاني أو غيرهما لم تكن لقاءات مع حكومات، بل مع مؤسسات تمثل الإرادة الشعبية داخل مجتمعاتها. والفرق بين مخاطبة الحكومات ومخاطبة الشعوب عبر ممثليها فرق جوهري يتجاهله كثير من المنتقدين عمدًا أو سهوًا.

ومن بين أكثر المفاهيم التي تعرضت للظلم وسوء الفهم في هذا الجدل مفهوم «الدبلوماسية الشعبية». فكأن البعض يتصور أن العلاقات بين الأمم لا تُدار إلا عبر وزارات الخارجية والسفارات والوفود الرسمية. بينما الواقع الدولي الحديث يقول غير ذلك تمامًا. فالدبلوماسية الشعبية والبرلمانية والثقافية والأكاديمية أصبحت اليوم أحد أهم أدوات بناء النفوذ والتأثير والتفاهم بين الشعوب، بل إن كثيرًا من الدول الكبرى تنظر إليها باعتبارها الجناح الثاني للدبلوماسية الرسمية، لا منافسًا لها ولا بديلًا عنها.

لم تعد صورة الدول في العالم تُصنع فقط عبر الحكومات، بل يشارك في تشكيلها البرلمانيون والمفكرون والجامعات ومراكز الأبحاث والإعلام ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات العامة. وأصبحت كثير من الأزمات تُفتح لها نوافذ للحل عبر قنوات شعبية وبرلمانية وثقافية قبل أن تصل إلى القنوات الرسمية. ولهذا لم يعتبر أحد في التجارب الديمقراطية الراسخة أن الدبلوماسية الشعبية خيانة للدولة أو انتقاصًا من سيادتها، بل اعتُبرت رصيدًا إضافيًا لقوتها الناعمة وحضورها وتأثيرها.

أما الزعم الثاني، وهو أن المبادرة محاولة لإحياء أدوار المعارضة في الخارج، فيكشف في الحقيقة عن سوء فهم لطبيعتها. فالمبادرة لم تنشأ من أجل تقديم ملفات إدانة ضد حكومات المنطقة، ولم تنشأ للبحث عن ضغوط أو عقوبات أو مواقف أوروبية ضد أي نظام سياسي. بل جاءت لتجاوز هذا المنطق كله؛ منطق المعارضة التي تبحث عن الإدانة، ومنطق السلطة التي تبحث عن المساندة، ومنطق تحويل العلاقة مع أوروبا إلى ساحة صراع عربي داخلي.

المبادرة تسعى إلى نقل النقاش من مساحة الصراع السياسي الضيق إلى مساحة المصالح المشتركة بين الشعوب. من سؤال: من ينتصر على من؟ إلى سؤال: كيف يمكن أن نربح جميعًا؟ ومن لغة الإدانة والمساندة إلى لغة الشراكة والتعاون.

لهذا جاءت ملفات الهجرة والتنمية والطاقة والمناخ والتعليم والابتكار والشباب في قلب المبادرة. فهي تتحدث عن مستقبل المنطقة حتى عام 2035، لا عن معارك الأمس ولا عن خصومات اللحظة.

وربما كانت أهم خصائص المبادرة وأكثرها تعرضًا للتجاهل أنها لا تنتمي إلى منطق المعارضة التقليدية ولا إلى منطق الحكومات التقليدي. فهي لا تتحدث باسم معارضة عربية، ولا تتحدث باسم أنظمة عربية، ولا تبحث عن تأييد لهذا الطرف أو ذاك. بل تحاول تأسيس مساحة مشتركة يلتقي فيها المؤيد والمعارض، والمسؤول السابق والناشط المستقل، والأكاديمي والسياسي، والليبرالي والمحافظ، وصاحب المرجعية المدنية وصاحب المرجعية الدينية، تحت سقف واحد هو البحث عن المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.

أما الحديث عن هوية الموقعين على المبادرة فيكفي وحده لتفنيد كثير من المزاعم. فالقائمة لا تضم ناشطين أو سياسيين من اتجاه واحد، بل تضم رؤساء جمهوريات سابقين، ونواب رؤساء جمهوريات سابقين، ورؤساء حكومات سابقين، ووزراء سابقين، وبرلمانيين، ودبلوماسيين، ومفكرين، وأكاديميين، وحقوقيين، وشخصيات عامة لعبت أدوارًا بارزة في الحياة العربية والدولية. كما تضم شخصيات حاصلة على جائزة نوبل للسلام، ورموزًا سياسية وفكرية أسهمت في تشكيل جزء مهم من الوعي العام العربي خلال العقود الأخيرة.

والأهم من الألقاب والمواقع أن هؤلاء لم يوقعوا ممثلين لحكومات، ولم يوقعوا ممثلين لأحزاب أو تنظيمات، بل وقعوا بأسمائهم وصفاتهم الشخصية والفكرية والإنسانية. أي أن المبادرة جمعت أشخاصًا لا مؤسسات، وأفكارًا لا اصطفافات، وعقولًا لا أجهزة.

ومن الإنصاف أيضًا أن تُقرأ المبادرة كما هي، لا كما حاول البعض تصويرها. فهي ليست مبادرة تخص دولة واحدة، وليست مرتبطة بخلاف سياسي داخل دولة بعينها. بل مبادرة عربية متوسطية واسعة النطاق، يشارك فيها موقعون من معظم الأقطار العربية، بما يعكس تنوعًا جغرافيًا وسياسيًا وفكريًا نادرًا. ولهذا بدا غريبًا أن ينشغل بعض المنتقدين بسؤال الداخل والخارج داخل دولة واحدة، بينما المبادرة نفسها تتحرك في فضاء عربي أوروبي أرحب بكثير من حدود أي دولة منفردة.

لكن اللافت حقًا أن بعض الهجوم لم يتوجه إلى المشاركين من الخارج بقدر ما توجه إلى بعض الموقعين من الداخل. وكأن التوقيع على وثيقة حوارية أصبح في ذاته موضع شبهة. وكأن بعض الأصوات لم تنشغل بما ورد في المبادرة بقدر انشغالها بمن جلسوا حول المائدة. لا تسأل: ماذا قالوا؟ بل تسأل: لماذا التقوا؟

الحقيقة أن بعض الموقعين من الداخل كسروا، بمجرد توقيعهم، حاجزًا نفسيًا وسدًا مصطنعًا حاول البعض إقامته بين الداخل والخارج طوال سنوات. وكأن الوطن قد انقسم إلى وطنين؛ أحدهما يملك حق الكلام، والآخر لا يملك سوى حق الصمت.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يُطرح: هل يُحسب لهؤلاء أنهم امتلكوا شجاعة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى