مقالات وآراء

نجيب بلحيمر يكتب: نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي . قد تكون الحرب المشتركة ضد إيران ذروة هذا التحالف . جوشوا ليفر

يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد حقق ما لم يكن بمقدور أسلافه سوى الحلم به: طائرات مقاتلة أمريكية وإسرائيلية تحلق جنباً إلى جنب في سماء طهران، وضباط إسرائيليون مستقرون في مقر القيادة المركزية الأمريكية في فلوريدا. فمنذ أيام ديفيد بن غوريون، سعى قادة إسرائيل إلى الحصول على دعم القوة العظمى الأبرز في العالم، والذين أملوا أن تضمن بقاء دولتهم إلى الأبد. ولم يكن لأحد منهم أن يتخيل مستوى التعاون المشهود حالياً. ولو قُدّر لأحد أن يوقظ “الشيخ العجوز” ــ كما كان يُعرف بن غوريون ــ من رقدته الأخروية في رمال “سديه بوكر”، لسرّه بالتأكيد سماع هذه الأنباء.

بيد أن المظاهر قد تكون خادعة. فمن زاوية معينة، تمر العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بأوج قوتها؛ ولكن إذا ما نُظر إليها من زاوية أخرى، فإنها قد دخلت بالفعل مرحلة من الأفول الحتمي. إذ بدأت الركائز السياسية والأيديولوجية والاجتماعية التي استند إليها ما يُسمى بـ “التحالف الخاص” طوال معظم نصف القرن الماضي في الانهيار. لقد كان مجمع الدعم والدعاية لإسرائيل ــ وهو شبكة من جماعات الضغط مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، والمنظمات التجمعية اليهودية مثل “رابطة مكافحة التشهير”، والجماعات المسيحية الصهيونية مثل “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” ــ يمثل يوماً قوة غاشمة لا تُقاوم في “كابيتول هيل”. أما في مناخ الاستقطاب المفرط اليوم، فقد بدأ هذا المجمع يتعثر، حيث واجه أولاً تحدياً من الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، والآن وبشكل متزايد من الفصيل الانعزالي الجديد داخل ائتلاف “ماغا” (اجعل أمريكا عظيمة مجدداً).

لقد تحول الرأي العام بشكل دراماتيكي؛ إذ يرى الآن أقل من نصف الأمريكيين أن الدعم الأمريكي لإسرائيل يصب في المصلحة الوطنية. وللمرة الأولى، بات الأمريكيون ينظرون إلى الفلسطينيين بعين التعاطف أكثر من نظرهم إلى الإسرائيليين. ولم يعد من المسلّم به أيضاً أن الأمريكيين والإسرائيليين يتشاطرون مجموعة مشتركة من القيم الثقافية والدينية. فبينما أصبحت الولايات المتحدة أقل مسيحية وأكثر تنوعاً، أضحى المجتمع الإسرائيلي أكثر تقليدية، وغدت ثقافته العامة أكثر انغلاقاً. وعلى جبهتي اليمين واليسار الأمريكيين على حد سواء، بدأت معاداة السامية تتسرب من الهوامش إلى المجرى السياسي السائد، حيث ينظر إليها قطاع متنامٍ من الناس، لا سيما بين الشباب والساخطين، بوصفها علامة على مناهضة المؤسسة الحاكمة في هذا العصر الشعبي.

كانت هذه التحولات قائمة على قدم وساق قبل هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023. بيد أن تدمير إسرائيل اللاحق لقطاع غزة، وحصارها وتجويعها للمنطقة المنكوبة، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة ــ وكلها أحداث بُثت مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأكثر من عامين ــ قد سرّعت من وتيرة هذه التحولات بقوة، مما تولد عنه رد فعل عنيف مناهض لإسرائيل أصبح سمة ملازمة للسياسة الأمريكية المعاصرة. وإذا كانت الحرب المشتركة الأمريكية الإسرائيلية على إيران تشكل بالفعل ذروة التحالف الخاص، فإن ما سيعقبها سيكون السقوط لا محالة.

لم يكن التحالف الخاص “خاصاً” دائماً. ولئن كان الرئيس الأمريكي هاري ترومان هو من اعترف بإسرائيل، فإن خلفه دوايت أيزنهاور كان جافاً بشكل ملحوظ تجاه هذه الدولة، حذراً من إفساد الحسابات الاستراتيجية الأمريكية في بدايات الحرب الباردة. وجاء جون كينيدي ليقطع مع حظر الأسلحة الذي فرضه أيزنهاور، فكان أول من زوّد إسرائيل بأسلحة أمريكية. أما ريتشارد نيكسون، أو بالأحرى مستشاره هنري كيسنجر، فقد أنقذ إسرائيل عام 1973 عبر هندسة جسر جوي حاسم من المساعدات العسكرية التي درأت عنها الهزيمة في الحرب العربية الإسرائيلية. ومع ذلك، ظلت للعلاقة حدودها؛ فقد عرف كل من جيمي كارتر، ورونالد ريغان، وجورج بوش الأب كيف يقولون “لا” لقادة إسرائيل ــ وأحياناً بعبارات حازمة تصدم المتابع اليوم، وأحياناً بالتهديد بتبعات مادية ــ ولم يخشوا كثيراً مجمع الدعم لإسرائيل، الذي كان يمثل آنذاك وزناً خفيفاً نسبياً مقارنة بالنفوذ الهائل الذي سيفرضه بحلول منتصف التسعينيات.

وقد أدت نهاية الحرب الباردة إلى تقارب وثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ إذ لم تعد العلاقة محكومة بالاعتبارات الأمريكية الأوسع المتعلقة بالتوازن العالمي بين القوى العظمى. ونشأ ما يسميه علماء العلاقات الدولية “مجتمع المصالح الاستراتيجية”. واضطلعت إسرائيل بدور الحامي والمنفذ للنظام الدولي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ومع إطلاق الحرب العالمية على الإرهاب، بدا أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية تلتقي بدرجة أكبر؛ وبعبارات رددتها وسائل الإعلام الأمريكية المذعنة تلقائياً، صاغ القادة الأمريكيون والإسرائيليون مصالح بلديهم بوصفها متطابقة، وصوروا خصومهم، سواء أكانوا أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة أم ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، كوجهين لعملة راديكالية وإرهابية واحدة.

هذا التداخل في المصالح الاستراتيجية حظي بدوره بدعم من شعور عام بوجود قيم مشتركة. ففي اللحظة ذاتها التي شرعت فيها الولايات المتحدة في ترويج الديمقراطية في الخارج، تباهى القادة الإسرائيليون بتميز بلادهم بوصفها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. وبالنسبة لأولئك الذين نظروا إلى الحرب على الإرهاب من منظور صراع الحضارات، كانت إسرائيل المدافع في الخطوط الأمامية في المعركة بين الغرب اليهودي-المسيحي وأعدائه الإسلاميين. وفي المقابل، مال الليبراليون الأمريكيون إلى رؤية إسرائيل كنموذج للمجتمع المنفتح وسط بحر مظلم من الأنظمة العربية الاستبدادية، والثيوقراطيات المحافظة، والمسلحين الإسلاميين. ومن بيل كلينتون إلى جورج بوش الابن، هيمن على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بالتناوب دعاة التدخل الليبرالي الأطلسي وأقاربهم الأكثر فجاجة من المحافظين الجدد.

ومثّل هذا أرضاً خصبة للمناورة بالنسبة لمجمع الدعم المتنامي لإسرائيل. فقد كان بمقدور “أيباك” حشد دعم شبه إجماعي لإسرائيل عبر الحزبين، في حين حافظت مراكز الفكر المتحالفة معها على سياسة “الباب الدوار” للمسؤولين بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية. وفي المقابل، افتقر المدافعون عن الحقوق الفلسطينية إلى أي جهاز مماثل، ولم يكن يُنشر سوى للقليل من الكتاب الفلسطينيين في وسائل الإعلام السائدة، على النقيض مما يحدث اليوم. وفي تلك الأثناء، كانت الشكاوى بشأن قوة اللوبي الإسرائيلي تُهمش في أغلب الأحيان وتُنحى إلى هوامش نظرية المؤامرة حيث تتماهى حدود اليسار المتطرف مع اليمين المتطرف. ومع وصول ثقافة إحياء ذكرى المحرقة (الهولوكوست) إلى ذروتها ــ حيث افتتح متحف ذكرى المحرقة الأمريكي في عام 1993 ــ كانت تهمة معاداة السامية لا تزال تحمل خطورة كفيلة بإنهاء المسيرة المهنية لأي شخص.

بيد أن اليمين المؤيد لإسرائيل، وليس اليسار المؤيد للفلسطينيين، هو من حطم الإجماع الحزبي في واشنطن. وكانت السنة المحورية هي 2015، حيث تمثلت القضية آنذاك ــ كما هي الآن ــ في إيران. فبينما كانت إدارة أوباما تضغط باتجاه إبرام الاتفاق النووي، شن مجمع الدعم لإسرائيل حرباً ضد الرئيس الديمقراطي الذي كان يحظى بشعبية واسعة. وضخت “أيباك” نحو 40 مليون دولار في جهود ضغط لمناهضة الاتفاق النووي. ودعا رئيس مجلس النواب الجمهوري جون بينر نتنياهو لإلقاء خطاب أمام جلسة مشتركة للكونغرس

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى