تونسملفات وتقارير

أصوات نساء تطلق دليلا إجرائيا لإنقاذ ضحايا العنف الجنسي في تونس

أعلنت جمعية أصوات نساء التونسية عن إطلاق مسار استراتيجي متكامل لمواجهة تصاعد جرائم العنف الجنسي في تونس. وتأتي هذه الخطوة في ظل تزايد الانتهاكات المرتكبة ضد النساء والأطفال، حيث كشفت الجمعية عن “الدليل النسوي الإجرائي للتعهد والتكفل بالنساء ضحايا العنف الجنسي”، وهو أداة عمل ميدانية تهدف لتقديم آليات تدخل عاجلة وحماية حقوق الناجيات من هذه الاعتداءات التي باتت تهدد السلم الاجتماعي والأمن الشخصي.

تستند هذه المبادرة إلى رؤية حقوقية تضع حماية النساء كأولوية قصوى، حيث أوضحت أريج الأسود المكلفة بمشروع العنف الجنسي بالجمعية أن الدليل صُمم ليكون مرجعاً شاملاً لكافة الفاعلين الميدانيين في مراكز الإيواء وخلايا الاستماع. وتأتي هذه الخطوة لتكسر صمت المجتمع تجاه هذه الجرائم، مؤكدة أن العنف الجنسي يحتل مرتبة متقدمة في قائمة الانتهاكات، وأن التستر على هذه الوقائع بدعوى الخصوصية المجتمعية يفاقم من معاناة الضحايا ويفلت الجناة من العقاب.

يُشكل “مركز ناجية” التابع للجمعية تجربة رائدة وفريدة في تونس، حيث يوفر للمتضررات ملاذاً آمناً بعيداً عن الممارسات البيروقراطية. كما خصصت الجمعية الرقم (54542500) كخط ساخن لضمان التبليغ الفوري عن حالات الاعتداء. وتؤكد الجمعية أن سرعة الإبلاغ خلال الساعات الأولى هي الركيزة الأساسية لحفظ الأدلة الطبية والجنائية، مما يضمن ملاحقة المعتدين قضائياً ومنع ضياع الحقوق الأساسية للضحايا اللواتي يتعرضن لأبشع أشكال التعدي البدني والنفسي.

يُحذر المتخصصون، ومن بينهم المختصة النفسية حياة الورتاني، من تنامي أنماط جديدة من الاعتداءات، خاصة العنف الجنسي الرقمي أو السيبراني، الذي يستهدف خصوصية النساء ويضعهن في مواجهة مخاطر جسيمة. وتشدد الورتاني على أن التعامل مع حالات الاغتصاب يتطلب دقة مهنية فائقة، نظراً لما يترتب عليها من أضرار صحية خطيرة، مثل انتقال الأمراض المعدية أو حالات الحمل غير المرغوب فيه، وهي تداعيات تتطلب تدخلاً طبياً وقانونياً لا يقبل التأجيل أو التهاون.

يفرض الدليل الإجرائي بروتوكولاً صارماً لحفظ الأدلة الجنائية، حيث يحث الضحايا والمتدخلين على ضرورة عدم إتلاف الملابس أو الآثار البيولوجية التي تشكل دليلاً قاطعاً أمام القضاء. ويركز هذا النهج على تفكيك مفهوم الصدمة النفسية لدى الناجيات، مع إقرار خصوصية بالغة عند التعامل مع الأطفال الضحايا، الذين يحتاجون إلى مسارات رعاية متخصصة تضمن سلامتهم الجسدية والنفسية، بعيداً عن أي أخطاء قد تزيد من عمق الصدمة لديهم.

تعتبر الجمعية أن حماية العاملين في مراكز الإنصات هي جزء لا يتجزأ من نجاح المنظومة، حيث يتعرض هؤلاء المتدخلون لضغوط نفسية كبيرة نتيجة سماع شهادات حية ومؤلمة عن الانتهاكات المرتكبة. لذا، يسعى الدليل لتوفير آليات دعم للمتخصصين أنفسهم، لضمان استمرارية تقديم الخدمة بكفاءة عالية، مع التأكيد على ضرورة التنسيق الشبكي بين المجتمع المدني والهياكل الحكومية لتوفير إحاطة شاملة للناجيات من العنف الجنسي في تونس.

يؤكد هذا التقرير أن التصدي للجرائم الجنسية يتطلب شجاعة مجتمعية لكسر حواجز الخوف، حيث يشدد الدليل على مبدأ السرية المطلقة للمعلومات، مما يعزز ثقة الضحايا في التوجه نحو مراكز الاستماع. إن هذه التحركات الميدانية تُعد خطوة ضرورية لمواجهة استهتار الجناة بحياة النساء، وتسعى لترسيخ حق الناجيات في العدالة والإنصاف، بعيداً عن أية ضغوط اجتماعية أو محاولات لطمس الحقائق أو التقليل من فداحة الجرائم التي تُرتكب خلف الأبواب المغلقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى