تونسملفات وتقارير

أهالي الرويسات يواصلون احتجاجاتهم ضد كارثة التلوث البيئي الناتجة عن مصنع الإسمنت

يخوض أهالي منطقة الرويسات بمحافظة القيروان في الجمهورية التونسية معركة وجودية ضد التدهور البيئي الحاد الذي يفتك بصحتهم وممتلكاتهم، حيث نظم المتضررون وقفة احتجاجية حاشدة صباح يوم الأربعاء 17 حزيران/يونيو أمام مقر وزارة البيئة بالعاصمة التونسية. يطالب المحتجون بوضع حد نهائي للنشاط الصناعي الملوث لمصنع الإسمنت بالمنطقة، مؤكدين أن التلوث تحول إلى جريمة مكتملة الأركان تهدد الحياة اليومية وتدمر البنية التحتية والزراعية بعد معاناة مستمرة منذ 17 سنة من عمر المصنع.

يؤكد المحتجون أن هذه الوقفة ليست تحركاً معزولاً بل هي حلقة في سلسلة من النضالات التي انطلقت باعتصام مفتوح في شهر نيسان/أبريل الماضي، تلاه تنظيم مسيرة نحو قصر قرطاج في شهر أيار/مايو الماضي للمطالبة بالحق في بيئة سليمة. يرفع أهالي الرويسات شعارات حادة تصف الصمت الرسمي بالتواطؤ المفضوح مع أصحاب المصالح، حيث تندد الهتافات بتسميم المنطقة وتطالب باستعادة الحقوق المهدورة، معتبرين أن مصلحة أصحاب المال باتت تتفوق على حياة البشر وحقهم الطبيعي في العيش داخل بيئة غير ملوثة.

يروي الأهالي شهادات صادمة حول الأضرار الكارثية للمصنع، حيث تؤكد نجوى وسلاتي أن الحياة في المنطقة تحتضر ببطء نتيجة التلوث الذي حول الأشجار إلى هياكل صفراء ومنع التربة من الإنتاج. تضيف نجوى وسلاتي أن المنازل باتت متهالكة ومعرضة للسقوط في أي لحظة نتيجة الاهتزازات القوية التي تسببها “المينا”، وسط شعور دائم بالذعر بين الأطفال الذين يفتقدون لأدنى مقومات الأمان في منازلهم التي أصبحت تشكل خطراً على ساكنيها بسبب السياسات الصناعية المتبعة.

يشير ملف الضحايا إلى أرقام مفزعة، حيث توضح زهرة الخليفي أن شقيقها توفي بعد 12 سنة من المعاناة مع جرثومة رئوية فتاكة، وبإجماع الأطباء فإن المصنع هو السبب المباشر والمحرك لهذه الإصابة القاتلة. تؤكد زهرة الخليفي أن الأجواء في الرويسات أصبحت خانقة بفعل الروائح الكريهة المنبعثة ليل نهار، معربة عن رفض الأهالي للمساعدات المالية التي توصف بالمهينة والتي يتم تقديمها في محاولة يائسة لإسكات أصوات المتضررين عن المطالبة بحقوقهم المشروعة.

تضيف حبيبة الخليفي تفاصيل أكثر قسوة عن الوضع الصحي بالمنطقة، حيث تؤكد تسجيل حالات وفاة وإصابات عديدة بالمرض الخبيث في صفوف الأهالي، فضلاً عن تحول الأراضي الزراعية إلى مناطق قاحلة غير قادرة على الإنتاج. تشير حبيبة الخليفي إلى معاناة إضافية تتمثل في انقطاع الماء الصالح للشرب لأكثر من 20 يوماً متواصلاً، مما يفاقم المأساة الإنسانية التي يعيشها السكان الذين يتمسكون بمواصلة الاحتجاج حتى الاستجابة لكل مطالبهم ووضع حد لهذا العبث البيئي المستمر.

تؤكد حياة العطار، عضو المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بمحافظة القيروان، وجود إقرار رسمي بحجم التلوث والمخالفات الجسيمة التي تم رصدها خلال سلسلة من المعاينات الميدانية. توضح حياة العطار أن الجلسات التفاوضية مع ممثلي وزارة البيئة كشفت عن وجود قوانين معطلة بحاجة إلى مراجعة شاملة، حيث يتطلب الحل تنسيقاً بين وزارة البيئة ووزارة الصناعة، مع وجود وعود بزيارة ميدانية للوزير لمعاينة المخالفات ميدانياً وضبط التجاوزات التي أدت إلى هذه الأزمة.

يتمسك أهالي الرويسات بمطالبهم بضرورة اتخاذ إجراءات فورية لحماية المنطقة من التلوث، حيث لا تزال الأعين تترقب جدية الوعود الرسمية التي أعقبت جلسة العمل المنعقدة يوم 13 نيسان/أبريل الماضي بخصوص تزويد المصانع بمواد صديقة للبيئة. يشدد أهالي الرويسات على أن مطالبهم واضحة ولن يتراجعوا عن النضال ضد التلوث الذي يسلبهم أبسط حقوقهم في التنفس والحياة بأمان، مؤكدين أن التاريخ سيحاسب كل من تسبب في تحويل منطقتهم إلى ساحة للموت البطيء.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى