حقوق وحرياتمصرملفات وتقارير

الحكومة المصرية في مواجهة اختبار حقيقي لإنقاذ ملايين عمال المنصات الرقمية

تتحمل السلطات المصرية مسؤولية تاريخية في أعقاب إقرار مؤتمر العمل الدولي في دورته رقم 114 للاتفاقية الدولية الجديدة بشأن العمل اللائق في اقتصاد المنصات، والتي وضعت حدًا أدنى من الحماية الملزمة للعمال في هذا القطاع المتنامي، حيث شاركت الحكومة المصرية في التوافق على هذه المعايير الدولية التي تستهدف إنهاء معاناة ملايين العاملين الذين يواجهون تحديات عابرة للحدود، مما يفرض على الدولة سرعة التحرك لتوفيق أوضاعها القانونية وضمان عدم إهدار حقوق تلك الفئة التي أصبحت ركيزة أساسية في سوق العمل المعاصر.

تفرض الاتفاقية الدولية الجديدة التزامات قانونية حاسمة على الدول الأعضاء، وفي مقدمتها ضمان التصنيف الصحيح لعمال المنصات بناءً على واقع الممارسة الفعلية للأجر والأداء، وليس وفقًا للعقود الرقمية المضللة التي تفرضها الشركات للتهرب من المسؤولية، كما تكفل الاتفاقية الحق في حد أدنى للأجور والتعويض عن نفقات العمل، وتمديد مظلة الحماية الاجتماعية، بالإضافة إلى فرض الشفافية المطلقة والرقابة البشرية على قرارات الفصل المؤتمتة التي تسببت في قطع أرزاق الكثيرين دون سابق إنذار أو مبرر قانوني.

تتجه الأنظار نحو الحكومة المصرية لتقديم معلومات واضحة حول عرض هذه الاتفاقية على مجلس النواب وفقًا للمادة 19 من دستور المنظمة، حيث تتراوح الفترة الزمنية المتاحة بين عام و18 شهرًا من تاريخ الإقرار، وذلك لتقييم مدى توافق القوانين الوطنية مع هذه المعايير الدولية، خاصة في ظل القصور التشريعي الذي يعتري قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، والذي رغم اعترافه بأنماط العمل الحديثة، إلا أنه يفتقر إلى الآليات التنفيذية الصارمة التي تضمن حماية فعلية للعاملين من تغول الشركات الرقمية.

تتجلى المخاطر الحقيقية في محاولات الشركات للالتفاف على الالتزامات الدولية عبر استغلال ثغرات مثل المادة الثانية من الاتفاقية، التي تمنح الدول صلاحية استثناء فئات محدودة من العمال، وهو ما قد يُستخدم كذريعة لإقصاء الفئات الأكثر هشاشة كعمال المنصات السحابية، بالإضافة إلى خطورة ربط إنفاذ الحقوق بعبارة “بما يتوافق مع القانون والممارسة الوطنية”، مما يعطي الضوء الأخضر لشركات التقنية العملاقة للاستمرار في ممارساتها القمعية تجاه العمال تحت ستار غياب التشريعات الوطنية التنفيذية.

تنتظر الأطراف المعنية في مصر، والمتمثلة في الحكومة وممثلي العمال وأصحاب العمل، جولات مفاوضات شاقة لتطبيق الاتفاقية، وسط توقعات بمواجهة تحديات قوية من أصحاب العمل الرافضين لأي قيود تفرضها الدولة، وتبرز ضرورة ملحة لمعالجة الفصل الخوارزمي دون تواصل بشري، خاصة وأن الكثير من العاملين يواجهون أزمات مالية طاحنة نتيجة الإيقاف المفاجئ للحسابات وحجب المستحقات المتأخرة، بالإضافة إلى الأعباء المادية الثقيلة المرتبطة بسداد أصول العمل من دراجات نارية أو هوائية.

يتعين على الحكومة المصرية التحرك العاجل لضمان الشفافية الكاملة في الأجور ورسوم التطبيقات والخصومات وعمولات مكاتب التوظيف، وتفعيل برامج حماية اجتماعية مرنة بالتنسيق مع الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ووزارة المالية، بما يضمن التأمين الصحي ضد إصابات العمل منذ اليوم الأول، إذ لم يعد سد الفجوات التنفيذية المتعلقة بالمسؤولية التضامنية والرقابة الخوارزمية رفاهية، بل أصبح ضرورة تشريعية ملحة لنقل الشباب من خانة الهشاشة الرقمية إلى مظلة العمل اللائق المستدام.

تؤكد المعطيات الحالية أن إقرار المبدأ العام دوليًا دون إقرار “التوصية المكملة” التي تمثل كتيب الإرشادات التنفيذية، يترك الدول وحيدة في مواجهة الشركات، وهو ما يتطلب من الدولة المصرية تبني موقف حازم في الدورة رقم 358 لمجلس إدارة مكتب العمل الدولي في نوفمبر 2026، لدفع عجلة إقرار الآليات التنفيذية، وتخصيص الموارد المالية والفنية اللازمة لحماية حقوق مواطنيها الذين يتعرضون لانتهاكات ممنهجة تحت مسمى مرونة اقتصاد المنصات.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى