المملكة المتحدة تعتذر رسميا عن مأساة انتزاع 185 ألف طفل من أمهاتهم

تستعد الحكومة في المملكة المتحدة لتقديم اعتذار رسمي باسم الدولة لجميع المتضررين من ممارسات التبني القسري التي شهدتها البلاد، في خطوة تمثل تراجعا عن سنوات من الإنكار الرسمي تجاه مأساة اجتماعية كبرى، حيث كشفت وزيرة التعليم البريطانية بريدجيت فيليبسون عن تحرك حكومة حزب العمال لإغلاق هذا الملف المظلم، مؤكدة أن هذه السياسات التاريخية التي طبقت على نطاق واسع في إنجلترا وويلز تعتبر فترة قاسية ومؤلمة في تاريخ الدولة.
تفيد البيانات الرسمية والتقارير الموثقة بأن نحو 185 ألف طفل تم فصلهم عن أمهاتهم غير المتزوجات وإخضاعهم لعمليات تبني قسرية بين عامي 1949 و1976، وهي ممارسات وحشية تعرضت لانتقادات حقوقية واسعة لاحقًا لكونها انتهاكا صارخا لحقوق النساء والأطفال، وخلال إفادتها أمام لجنة التعليم في البرلمان البريطاني شددت بريدجيت فيليبسون على أن الحكومة ستقدم قريبا جدا اعتذارا كاملا باسم الدولة لكل من وقع عليه الضرر من تلك السياسات الجائرة التي استمرت عقودا.
تؤكد الوزيرة بريدجيت فيليبسون أن رئيس الوزراء البريطاني سيتناول هذا الملف قريبا ليعكس حجم الانتهاكات الجسيمة التي حدثت، مخاطبة الضحايا بأنهم سيحصلون على الاعتذار الذي يستحقونه بعمق، ويأتي هذا الإعلان بعد ضغوط حقوقية وبرلمانية مستمرة لسنوات قادها الناجون والمنظمات الحقوقية، وذلك بعد أن كانت الحكومات في اسكتلندا وويلز قد سبقت حكومة وستمنستر في تقديم اعتذارات رسمية للمتضررين، مما وضع الحكومة البريطانية تحت وطأة مطالبات أخلاقية متصاعدة.
تعتبر لجنة التعليم البرلمانية أن إصدار اعتذار رسمي وغير مشروط يعد خطوة ضرورية لتحقيق قدر من العدالة للناجين، حيث أوصت اللجنة المشتركة لحقوق الإنسان في البرلمان البريطاني عام 2022 بضرورة اعتذار الحكومة للنساء اللواتي تعرضن لضغوط وإكراه لانتزاع أطفالهن منهن، ورغم رفض الحكومة المحافظة السابقة تقديم اعتذار رسمي بحجة أن الدولة لم تدعم هذه الممارسات بشكل مباشر، إلا أن وزير التعليم البريطاني جوش ماكاليستر أقر مؤخرا بمسؤولية الدولة المباشرة عن تلك الانتهاكات التي حدثت داخل مؤسسات تديرها الدولة.
يقر الوزير جوش ماكاليستر بأن عمليات انتزاع الأطفال تمت تحت إشراف عاملين اجتماعيين موظفين لدى الدولة، وفي ظل أجواء اجتماعية سامة عززتها ممارسات استمرت سنوات طويلة، وأوضح التقرير الصادر عن لجنة التعليم البريطانية في مارس 2026 أن هذه الممارسات لم تقتصر على الفترة ما بين 1949 و1976 بل بدأت قبل ذلك واستمرت لما بعد تلك التواريخ، وهو ما يضع الحكومة أمام التزام أخلاقي وقانوني واسع النطاق تجاه الضحايا الذين عانوا من صدمات نفسية عميقة جراء هذا الفصل القسري.
تطالب التوصيات البرلمانية الجديدة بضرورة تحسين وصول المتبنين والأمهات إلى السجلات التاريخية المفقودة، مع توفير خدمات دعم متخصصة تراعي الآثار النفسية المرتبطة بآليات البحث عن أفراد الأسرة، وعلى الرغم من عدم وجود توصية مباشرة بالتعويضات المالية حاليا، فإن النواب طالبوا الحكومة بإجراء تقييم دقيق للتجارب الدولية في أستراليا وجمهورية أيرلندا، خاصة وأن الأخيرة أقرت عام 2022 تشريعا يمنح تعويضات مالية للناجين من مؤسسات رعاية الأمهات والأطفال، وهو ما يعزز مطالب المتضررين في المملكة المتحدة بضرورة توفير استجابة شاملة وممولة بالكامل.
يختتم الملف بضرورة تجنب الإجراءات الرمزية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، حيث يؤكد الناجون أن المطلوب هو مقاربة يقودها المتضررون أنفسهم لضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم الإنسانية، ويظل هذا الملف جرحا مفتوحا في سجلات الدولة البريطانية بانتظار الاعتذار الذي قد يمنح الضحايا شيئا من السلام النفسي، بعد عقود طويلة من المعاناة الصامتة والتجاهل الممنهج الذي مارسته المؤسسات الرسمية ضد أمهات وأطفال تم التضحية بهم لصالح سياسات بيروقراطية قاسية.






