
أخيراً وبعد جهود وساطة مضنية بذلتها دول عربية وإسلامية كثيرة خصوصًا باكستان وقطر، تم الإعلان عن اكتمال الصيغة النهائية لمذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، وهو حدث كبير لقي ترحيباً حاراً من قادة وزعماء العالم كافة، باستثناء شخص واحد فقط هو بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي.
فبينما كان الوسطاء يقومون ببذل كل ما في وسعهم من جهد لسد الثغرات المتبقية لإقرار الصيغة النهائية للاتفاق المأمول، كان بنيامين نتنياهو يبذل قصارى جهده لتخريب المفاوضات الجارية، ويسعى بكل ما أوتي من قوة لقطع الطريق على أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة، ما يفسّر قراره بشنّ هجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت إبّان لحظات التفاوض الأخيرة اعتقاداً منه أن هذا الهجوم كفيل بإثارة ردود أفعال عنيفة تحول دون التوصل إلى أي اتفاق مع إيران، وربما تفضي إلى استئناف الحرب عليها.
وهو ما يتمنى بل ويشتهي. غير أن ما حدث هو العكس تماماً، حيث تسبّب تصرفه الشرير في دفع الرئيس ترامب الأكثر حرصاً على إنجاز اتفاق في أسرع وقت ممكن لأسباب محلية وإقليمية ودولية ضاغطة، إلى تقديم تنازلات أقنعت إيران بأن الحكمة تقضي بالامتناع عن الرد على استفزازات نتنياهو مقابل تضمين مذكرة التفاهم نصاً صريحاً يُلزم الولايات المتحدة بوقف الحرب على جميع الجبهات، خصوصاً على الجبهة اللبنانية، التي اعتقد نتنياهو أنها تفتح ثغرة يمكنه النفاذ منها لنسف أي اتفاق محتمل.
ما إن تنتهي مراسم التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم التي أقرّتها إيران والولايات المتحدة حتى تصبح منطقة الشرق الأوسط مهيأة عملياً للدخول في مرحلة جديدة، يُتوقع أن تختلف سِماتها جذرياً عما خططت له الولايات المتحدة و “إسرائيل”.
صحيح أن هذه المذكرة لم تحسم كل القضايا الخلافية والتي ستناقش تفصيلاً في مفاوضات لاحقة تبدأ غداً وتستمر لمدة 60 يوماً قابلة للتمديد، غير أنها تحدد سقوفاً غير قابلة للتجاوز، ومن ثم يمكن الاستناد إليها لتحديد حجم المكاسب والخسائر التي حققها كل طرف أو يمكن أن يحققها في نهاية المفاوضات.
وصحيح أيضًا أن نصّها الرسمي لم يُنشر بعد، غير أن ما تسرّب منه حتى الآن وأجمعت عليه المصادر الإخبارية الموثوق بها يكفي لرسم الملامح العامة لما ستكون عليه منطقة الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب، مقارنة بما كانت عليه من قبل.
فقبل حرب الـ 12 يوماً كانت الولايات المتحدة و “إسرائيل” تطالبان إيران بالالتزام بما يلي:
1- تفكيك برنامجها النووي على الطريقة الليبية.
2- تقليص برنامجها الصاروخي إلى المستوى الذي لا يشكل أي تهديد لأمن “إسرائيل”.
3- قطع علاقاتها المالية والتسليحية بجميع وكلائها في المنطقة. ولأن إيران لم ترضخ لهذه المطالب قررت الولايات المتحدة و “إسرائيل” شنّ حرب مشتركة عليها في حزيران/يونيو 2025 استهدفت تدمير برنامجيها النووي والصاروخي معاً، وهو ما لم يتحقق بالكامل، ويفسّر سعي نتنياهو الملحّ لإقناع ترامب بأن النظام الإيراني أصبح في أضعف حالاته، وأن التخلص منه نهائياً بات ممكناً عبر ضربة ساحقة تطيح قياداته السياسية والعسكرية.
وحين نجح في مسعاه،شُنّت حرب ثانية على إيران يوم الـ28 من شباط/فبراير 2026 واستمرت 39 يوماً كان هدفها المعلن هذه المرة إسقاط النظام الإيراني. وعلى الرغم من عدم تحقق هذا الهدف أيضاً ظلّ ترامب يردد مقولة أن إيران هُزمت عسكرياً ولم يعد أمامها سوى الاستسلام التام.
واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن وجد نفسه مضطراً للتوقيع على مذكرة تفاهم مع إيران لم ترضِ حليفه نتنياهو وكشفت عن موازين جديدة للقوة في المنطقة.
لا يحتاج المراقب المحايد إلى كبير عناء لاكتشاف أن حرب الـ 39 يومًا مكّنت إيران من:
1- فرض سيطرتها على مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه إظهار عجز الولايات المتحدة عن إعادة فتحه بالقوة أمام حركة التجارة العالمية، بكل ما ينطوي عليه ذلك من تأثير سلبي على الاقتصاد الدولي وعلى المكانة الأميركية في النظام العالمي.
2- إلحاق أضرار فادحة لا بـ “إسرائيل” فحسب، وإنما أيضًا بالقواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة مع تمكّنها في الوقت نفسه من الاحتفاظ بالشطر الأكبر من قدراتها الصاروخية والمسيّراتية في دلالة واضحة على أنها ما تزال قادرة على خوض معارك جديدة قد تُفرض عليها.
3- حماية اليورانيوم المخصب لديها بنسبة 60% بكمية تزن ما يقرب من 440 كلغ تكفي لإنتاج 8 رؤوس نووية خلال فترة وجيزة إن هي اتخذت قرارًا بذلك، ما يعني أنها كانت وما تزال دولة “عتبة نووية” بكل ما ينطوي عليه ذلك من مكانة وقدرة تفاوضية.
هذه الحقائق الثلاث أجبرت الولايات المتحدة على:
1- التفاوض مع النظام الذي سعت لإسقاطه من قبل، ما يعني وجوب الاعتراف بشرعيته وبضرورة التعامل المباشر معه كلاعب قادر على القيام بدور في تسوية أزمات المنطقة بدلًا من التعامل معه كمصدر رئيسي لتهديد أمنها.
2- قبول مطلب إيران بضرورة إنهاء الحرب على الجبهات كافة، خصوصًا الجبهة اللبنانية، باعتباره شرطًا مسبقًا للدخول في أي مفاوضات تتعلق بالقضايا الجوهرية، ما يعني تقييد الهامش الُمتاح لاستخدام التفاوض وسيلة للخداع وشنّ الحرب مثلما حدث وتكرّر من قبل.
3- الانصياع لمبدأ التكافؤ عبر الربط العضوي بين معدل الوفاء بالالتزامات الُملقاة على عاتق الجانبين، ما يعني أن وفاء إيران بالالتزامات المتعلقة ببرنامجها النووي ومضيق هرمز ينبغي أن يقابله وفاء الولايات المتحدة بنفس القدر بالتزاماتها المتعلقة برفع الحظر على الأموال الإيرانية المجمدة وإلغاء العقوبات المفروضة عليها.
لذا يمكن القول إن التنفيذ الدقيق والأمين لكل ما ورد في مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران سوف يفضي حتمًا، بصرف النظر عن التفاصيل التي ستجري مناقشتها في مفاوضات الـ 60 يومًا، إلى نتيجة واحدة هي: التزام إيران بعدم تصنيع السلاح النووي أو الحصول عليه من أي مصدر مقابل إلغاء العقوبات المفروضة عليها، ما يعني خروج إيران نهائيًا من عزلتها، وتحوّلها إلى لاعب رئيسي في المنطقة، وتحرّك موازين القوى في المنطقة في اتجاه مختلف تمامًا عن كل ما كانت تخطط له “إسرائيل” المدعومة بشكل مطلق من جانب الولايات المتحدة عمومًا وإدارة ترامب على وجه الخصوص.
ربما يكون من المفيد هنا إعادة التذكير بحقيقة أساسية مفادها أن نتنياهو كان يخطط لشرق أوسط جديد يقوده الكيان الصهيوني، وهو ما تجلّى بوضوح عبر خريطة أظهرها واستعرض ملامحها في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2023، أي قبل أسابيع قليلة من “طوفان الأقصى” الذي اتخذه ذريعة للتوسع وفرض “إسرائيل الكبرى” على المنطقة بقوة السلاح وذلك في سياق سلسلة من الحروب التي قرر شنّها في أعقاب “الطوفان”.
ففي فلسطين تمكّن من تدمير قطاع غزة وإعادة احتلال 70% من مساحته وقتل وجرح 10 % من سكانه، ومن الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي الضقة الغربية أقام عليها مستوطنات وقواعد عسكرية جديدة، ثم راح يصرّ على نزع سلاح جميع فصائل المقاومة المسلحة.
وفي سوريا احتلّ أراضي جديدة لا تقل مساحتها عن 500 كلم مربع، ثم راح يتدخل في شؤونها الداخلية ويهيئ الأجواء لاندلاع حرب أهلية بدعوى “حماية الدروز”. وفي لبنان تمكّن من تصفية معظم القيادات السياسية والعسكرية التي تشكّل الصف الأول في حزب الله، ثم من احتلال منطقة جنوب الليطاني، وسعى جاهداً لنزع سلاح حزب الله في الوقت نفسه.
ولأنه كان يدرك يقينًا استحالة تحول مشروع “إسرائيل الكبرى” إلى حقيقة على الأرض من دون إخضاع إيران سياسياً وعسكرياً، فقد راح يبذل كل ما في وسعه لإقناع الولايات المتحدة بالدخول معه في حرب مشتركة على إيران، لكنه لم ينجح في مسعاه إلا مع ترامب الذي تمكّن من جرّه للمشاركة معه في حربين كبيرين أخفقتا في تحقيق هدفه الرئيسي في إسقاط النظام الإيراني، ما أجبر ترامب في نهاية المطاف على الدخول في مفاوضات منفردة مع إيران كما سبقت الإشارة.
ليس من المتوقع أن يتخلّى نتنياهو عن حلم “إسرائيل الكبرى”، ومع ذلك يمكن القول إن موازين قوى جديدة بدأت تتشكل في المنطقة بالتوازي مع اضطرار ترامب للتوقيع على مذكرة تفاهم مع إيران لا تلبّي طموحات نتنياهو، يتوقع أن تدفع بالمنطقة نحو مفترق طرق جديد: فإما أن ينجح نتنياهو في نسف الاتفاق الذي أبرم بالكاد وأصبح على وشك الدخول في حيّز التنفيذ الفعلي والكامل، ما قد يمكّنه من استعادة قوة الدفع اللازمة لإعادة إحياء حلمه القديم، وإما أن تنجح الدول العربية والإسلامية التي ألقت بثقلها لإنقاذ هذا الاتفاق عبر ما قامت به من أدوار وساطة في مراحل مختلفة من تطور المفاوضات الأميركية الإيرانية، وفي هذه الحالة قد يبدأ العد التنازلي لخروج منطقة الشرق الأوسط من عنق الزجاجة التي دخلت فيها بسبب تداخل أزمات متراكمة راحت تعصف بها طوال العقود الخمسة المنصرمة، لكن ذلك يتطلب توافر مجموعة من الشروط التي لم تنضج بعد والتي يحتاج تحليلها إلى مقال آخر.







