الحرب في الشرق الأوسط

مجلة فورين أفيرز: إيران “تكسب الحرب” عسكرياً وتواجه معركة مصيرية في مضيق هرمز

كشفت قراءة استراتيجية للمشهد الأمني في الشرق الأوسط في أعقاب الحرب الأخيرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عن دخول المنطقة مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، وسط تحذيرات دولية من أن طهران قد تواجه خطر “خسارة السلام” بعد أن نجحت عسكرياً وسياسياً في الصمود و”كسب الحرب” التي شُنت عليها في أواخر فيفري الماضي.

​وفي تحليل موسع نشره “نيت سوانسون”، الزميل الأقدم المقيم ومدير “مشروع استراتيجية إيران” في المجلس الأطلسي والعضو السابق في فريق المفاوضات الأمريكي، عبر مجلة Foreign Affairs، جرى تسليط الضوء على “مذكرة التفاهم” المكونة من 14 نقطة والتي أنهت 40 يوماً من العمليات العسكرية المباشرة وأسست لوقف إطلاق نار هش ومؤقت يمتد لـ 60 يوماً.

​من الضعف إلى الردع: مضيق هرمز “السلاح النووي الاقتصادي” لقالباف

​أشار التحليل إلى أن إيران دخلت الحرب وهي في أضعف حالاتها التاريخية نتيجة أزمات اقتصادية وبيئية واضطرابات داخلية حادة تلت احتجاجات جانفي الماضي. ومع ذلك، خرجت الجمهورية الإسلامية بعد شهرين من وقف القتال بسلاح ردع جديد يفوق في قوته ترسانتها العسكرية التقليدية التي استهدفتها الضربات الجوية، وهو: السيطرة المطلقة على مضيق هرمز.

​وقد تجلى هذا التحول في اعتراف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن المضيق تحول إلى “سلاح إيران النووي الاقتصادي”، حيث بات العالم يدرك بشكل قطعي أن أي هجوم مستقبلي على إيران يعني الإغلاق الفوري للمضيق وشلل أسواق الطاقة العالمية.

​ومع ذلك، برزت نقطة الخلاف الجوهرية التي صاغها رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، بإعلانه الصريح أن “مضيق هرمز لن يعود أبداً إلى وضعه السابق”، مؤكداً نية طهران فرض قيود ورسوم جديدة على السفن التجارية بذريعة تقديم خدمات بيئية ولوجستية بعد انقضاء مهلة الـ 60 يوماً.

​خفايا مذكرة التفاهم وعقبات “الاتفاق النهائي”

​تتضمن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الحالية بنوداً رئيسية قننت وقف إطلاق النار في إيران ولبنان، وتعهدت بموجبها واشنطن بإنهاء الحصار البحري فوراً وإصدار إعفاءات من وزارة الخزانة تتيح لإيران بيع نفطها، مقابل التزام طهران بعدم السعي لحصول على أسلحة نووية والتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب.

​ورغم هذه الانفراجة، يرى المراقبون أن التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل في غضون الشهرين المقبلين يعد أمراً مستبعداً نظراً لعدة عقبات بنيوية:

  • البيروقراطية الأمريكية المعقدة: نظام العقوبات المتداخل الذي صممته إدارة ترامب خلال ولايتها الأولى جرى صياغته قانونياً ليكون غير قابل للتفكيك السريع، ويحتاج تخطيه إلى “إبداع قانوني وسياسي” لا تملك واشنطن الوقت أو الصبر الكافي لتنفيذه.
  • أزمة الثقة الإيرانية المفرطة: تعيش القيادة الإيرانية الجديدة، الممثلة في المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، حالة عميقة من عدم الثقة تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب انسحابه التاريخي من الاتفاق النووي عام 2018، إلى جانب المرارة الشديدة الناجمة عن استهداف عائلته في العمليات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية.
  • الفيتو الإسرائيلي: تشير التقارير إلى أن تل أبيب قد تستخدم كل نفوذها السياسي والدبلوماسي لعرقلة أي اتفاق أوسع تراه غير مواتٍ لمصالحها الأمنية.

و​سارعت طهران لتثبيت واقعها الجديد عبر تأسيس “هيئة مضيق الخليج الفارسي” (PGSA) في ماي الماضي لإدارة الممر المائي، معلنة من جانب واحد توسيع منطقتها البحرية لتتعدى على المياه الإقليمية لسلطنة عمان ودولة الإمارات، وفرضت لزوم الحصول على تصاريح مسبقة لحركة السفن ومنع السفن العسكرية “غير الصديقة”.

​ورداً على ذلك، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الهيئة الجديدة لصلتها بالحرس الثوري الإيراني. ويحذر الدبلوماسيون من أن إصرار إيران على جني عوائد مالية من المضيق قد يرتد عسكراً واقتصادياً عليها؛ فالشركات الدولية والأوروبية لن تلتزم بالدفع لكيان معاقب دولياً، مما يهدد بتحويل المضيق إلى مسار حصري لـ”أسطول الأشباح” الإيراني والسفن الحليفة لها، وهو سيناريو ترفضه عواصم آسيا وأوروبا والخليج جملة وتفصيلاً، لدرجة تلويح دبلوماسيين أوروبيين بإشراك الصين للضغط على طهران.

​إلى جانب ذلك، فإن فرض القيود على حركة الملاحة وتسعير العبور سيعجل من الخطط الاستراتيجية لدول الخليج والقوى الدولية لتطوير بنية تحتية بديلة ومكلفة للطاقة تتجاوز مضيق هرمز بالكامل، وهو ما سيفقد المضيق قيمته الجيوسياسية على المدى الطويل، ويسهل على خصوم إيران قرار شن حروب مستقبلية بأقل تكلفة اقتصادية.

​مفترق الطرق: نصيحة “لينكولن” التاريخية لطهران

​يخلص التحليل الاستراتيجي إلى أن إيران تقف اليوم أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما أن تستخدم مضيق هرمز كأداة مالية لكسب المال، أو كضمانة أمنية لحماية نظامها، لكنها حتماً لن تستطيع الجمع بينهما. فالقيمة الردعية للمضيق قائمة على “مصداقية التهديد بإغلاقه”، وتحويله إلى ساحة جباية يمنح صقور الحرب في واشنطن وتل أبيب الذريعة المثالية للعودة إلى الصراع المسلح.

​وفي مقاربة تاريخية، يرى الخبراء أن على طهران تبني استراتيجية الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن بعد الحرب الأهلية ومبدأ “دعهم ينهضون بسهولة” (Let them up easy)، عبر مقاومة رغبة معاقبة الولايات المتحدة وتجنب الثقة المفرطة التي أوقعت ترامب في فخ التصعيد العسكري الأعمى سابقاً حينما لم يستغل المكاسب العسكرية لحرب الـ12 يوماً في جوان 2025.

​إن استقرار إيران واستمرار بقائها يعتمدان بشكل أساسي على فتح المضيق دون قيود، والسماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية باستئناف مراقبتها، وإعادة بناء الجسور مع محيطها الإقليمي، ومعالجة المظالم الداخلية لشعبها؛ فالقدرة على إغلاق مضيق هرمز هي أقوى درع أمني تمتلكه إيران حالياً، وأقوى من الردع النووي نفسه، وأقوى استخدام لهذا السلاح هو “عدم استخدامه” لضمان سلام مستدام.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى