ملفات وتقارير

المعهد المصر للدراسات : تركيا وأرمينيا نحو تطبيع حذر: هل تنتصر المصالح على ذاكرة الصراع؟

تشهد العلاقات التركية–الأرمينية في المرحلة الأخيرة حراكًا لافتًا باتجاه توسيع مساحة التفاهم، في ظل رغبة متبادلة في دفع مسار التطبيع إلى مستويات أكثر تقدمًا. ويأتي هذا التحول في سياق إقليمي شديد الاضطراب، أعادت فيه التحولات الجيوسياسية المتسارعة ترتيب حسابات القوى في جنوب القوقاز والشرق الأوسط، وفرضت على دول المنطقة مراجعة خياراتها ومواقعها.

ورغم الإرث التاريخي الثقيل الذي ظل لعقود عائقًا أمام أي تقارب حقيقي بين أنقرة ويريفان، فإن منطق الضرورة والمصلحة بدأ يفرض نفسه بقوة على حسابات الطرفين. فالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، وما رافقها من ارتباك في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وخطوط التجارة، دفعت البلدين إلى النظر إلى التطبيع من زاوية براغماتية، تتجاوز مؤقتًا على الأقل الملفات التاريخية الشائكة.

لم يبدأ مسار التقارب التركي–الأرمني من الصفر؛ فقد شهدت السنوات الماضية محاولات دبلوماسية متقطعة لإعادة فتح قنوات الحوار بين الجانبين. غير أن التطورات الأخيرة منحت هذا المسار زخمًا جديدًا، وجعلته جزءًا من حسابات إقليمية أوسع تتعلق بالممرات التجارية، والطاقة، وإعادة التموضع في جنوب القوقاز.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل أصبح التطبيع بين تركيا وأرمينيا أقرب من أي وقت مضى، أم أن أثقال الماضي وحسابات القوى الإقليمية ستظل أقوى من منطق المصالح؟

التطبيع كضرورة لا كترف سياسي

لم يعد التطبيع التركي–الأرمني مجرد خيار دبلوماسي يمكن تأجيله، بل بات أقرب إلى ضرورة فرضتها المتغيرات الإقليمية المتلاحقة. فمنذ حرب قره باغ، مرورًا بالحرب الروسية–الأوكرانية، وصولًا إلى التصعيد ضد إيران، تكشفت حدود القطيعة الطويلة بين البلدين، وظهرت كلفتها السياسية والاقتصادية على الطرفين.

بالنسبة إلى أرمينيا، يمثل الانفتاح على تركيا محاولة للخروج من العزلة الجغرافية والسياسية التي تعمقت بعد حرب قره باغ. فأرمينيا دولة حبيسة، ظلت لعقود محاصرة بحدود مغلقة مع تركيا وأذربيجان، ومقيدة بممرات محدودة جعلتها أكثر اعتمادًا على أطراف خارجية، وفي مقدمتها روسيا.

لكن تراجع الدور الروسي في جنوب القوقاز، بفعل انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا، دفع يريفان إلى البحث عن بدائل أوسع، وفتح هامش مناورة جديد باتجاه تركيا والغرب. ومن هذا المنطلق، لم يعد التطبيع بالنسبة إلى أرمينيا مجرد رغبة سياسية، بل بات وسيلة محتملة لإعادة تعريف موقعها الجغرافي، والتحول من دولة محاصرة إلى عقدة عبور في جنوب القوقاز.

أما تركيا، فتنظر إلى التطبيع مع أرمينيا من زاوية استراتيجية واقتصادية أوسع. فأنقرة تسعى إلى تعزيز مكانتها بوصفها مركزًا إقليميًا للطاقة والنقل والتجارة، يربط بين آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا. ومن شأن فتح قنوات التعاون مع أرمينيا أن يدعم هذا الطموح، خصوصًا عبر مشاريع الربط والبنية التحتية، وفي مقدمتها خط كارس–جيومري.

لذلك، لا يمكن التعامل مع اجتماع مجموعة العمل التركية–الأرمينية الخاصة بإعادة تأهيل وتشغيل هذا الخط باعتباره ملفًا فنيًا محدودًا، بل هو مؤشر سياسي على انتقال التطبيع من مستوى التصريحات إلى مستوى المشاريع العملية.

الاقتصاد بوابة السياسة

عندما تعجز السياسة عن تجاوز الأزمات التاريخية، قد يصبح الاقتصاد المدخل الأكثر قدرة على كسر الجمود. وهذا ما تحاول تركيا وأرمينيا اختباره اليوم. فالمصالح التجارية والاستثمارية تبدو أقل حساسية من الملفات التاريخية، وأكثر قابلية للتحول إلى أرضية مشتركة.

في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة تشغيل خط سكك الحديد كارس–جيومري، الذي يربط شرق تركيا بشمال غرب أرمينيا. فهذا الخط لا يمثل مجرد مسار للنقل، بل يحمل رمزية سياسية واقتصادية كبيرة، لأنه كان تاريخيًا جزءًا من شبكة أوسع تربط تركيا بالقوقاز، قبل أن يتوقف عمليًا بعد إغلاق الحدود التركية–الأرمينية عام 1993 على خلفية حرب قره باغ الأولى.

إعادة طرح هذا الخط اليوم تعني أن البلدين يختبران إمكانية تحويل التطبيع من فكرة سياسية إلى واقع ملموس. فالسكك الحديدية هنا لا تنقل البضائع فقط، بل تختبر أيضًا جدية الإرادة السياسية، واستعداد الطرفين لبناء مصالح مشتركة قابلة للاستمرار.

كما يحضر ملف الطاقة بقوة في خلفية هذا المسار. فالاضطرابات التي شهدتها المنطقة بعد التصعيد ضد إيران جعلت القوقاز أكثر أهمية بوصفه مساحة عبور استراتيجية بين الشرق والغرب. ومن ثم، فإن تحويل جنوب القوقاز إلى منطقة ربط للطاقة والتجارة قد يمنح تركيا وأرمينيا مكاسب متبادلة، ويجعل القطيعة أقل جدوى من التعاون.

أذربيجان وإيران: الحاضران في الخلفية

لا يمكن فهم التطبيع التركي–الأرمني بمعزل عن أذربيجان. فباكو هي الحليف الاستراتيجي لأنقرة، والطرف الأكثر حساسية تجاه أي تقارب بين تركيا وأرمينيا. لذلك، فإن أي خطوة تركية باتجاه يريفان ستظل محكومة بمدى قبول أذربيجان لها، أو على الأقل عدم اعتراضها عليها.

تمتلك باكو قدرة واضحة على التأثير في مسار التطبيع، سواء عبر دعمه إذا رأت فيه جزءًا من تسوية أوسع في جنوب القوقاز، أو عبر تعطيله إذا اعتبرته مساسًا بمصالحها الأمنية والسياسية. ولهذا، فإن العلاقة التركية–الأرمينية ليست ملفًا ثنائيًا خالصًا، بل تتحرك ضمن مثلث إقليمي يضم أنقرة ويريفان وباكو.

أما إيران، فهي حاضرة في خلفية المشهد، رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا في مسار التطبيع. تنظر طهران بحساسية إلى أي ترتيبات جديدة قد تقلص نفوذها في جنوب القوقاز، أو تضعف دورها بوصفها طريقًا بديلًا للتجارة والعبور. فالممرات التي قد تربط تركيا بأذربيجان وآسيا الوسطى عبر القوقاز يمكن أن تعزز النفوذ التركي–الأذربيجاني على الحدود الشمالية لإيران، وتقلل من أهمية الجغرافيا الإيرانية في بعض مسارات النقل والتجارة.

لذلك، يبقى نجاح التطبيع مشروطًا بقدرة أنقرة ويريفان على إدارة هذه الحسابات المتداخلة، لأن المسار لا يتحرك داخل فراغ، بل ضمن بيئة إقليمية شديدة الحساسية، تختلط فيها المصالح الاقتصادية بالهواجس الأمنية.

الداخل بين الذاكرة والمصلحة

لا تقل الحسابات الداخلية أهمية عن الحسابات الإقليمية. ففي أرمينيا، يبقى التطبيع مع تركيا ملفًا بالغ الحساسية بسبب الذاكرة التاريخية الثقيلة. وأي اندفاع حكومي نحو التقارب قد يثير اتهامات داخلية بالتفريط في الذاكرة الوطنية أو تجاوز تضحيات الماضي.

لكن في المقابل، هناك تيار أرمني براغماتي يرى أن استمرار القطيعة لم يعد يخدم المصالح الوطنية، بل يفاقم العزلة، ويضعف الاقتصاد، ويزيد الاعتماد على روسيا أو على ممرات محدودة. لذلك تجد الحكومة الأرمنية نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تنفتح على تركيا دون أن تبدو كأنها تتنازل عن الذاكرة أو تقبل بتسوية غير متوازنة؟

في تركيا، يبدو الملف أقل حساسية داخليًا، لكنه ليس خاليًا من التعقيد. فالتطبيع مع أرمينيا قد يمنح أنقرة مكاسب اقتصادية واستراتيجية، ويساعد على تنشيط شرق الأناضول، ويفتح الباب أمام مشاريع في التجارة والسياحة والبنية التحتية. غير أن العلاقة الوثيقة مع أذربيجان تظل محددًا أساسيًا لأي خطوة تركية.

فأنقرة لا تستطيع التعامل مع التطبيع مع يريفان كملف منفصل عن باكو. وأي خطوة غير محسوبة قد تُقرأ في أذربيجان بوصفها تجاوزًا لمصالحها أو تقليلًا من وزن التحالف التركي–الأذربيجاني. لذلك تتحرك السياسة التركية ضمن توازن دقيق: الانفتاح على أرمينيا بما يخدم مصالحها الإقليمية، دون إرباك علاقتها الاستراتيجية مع أذربيجان.

هل يكفي الاقتصاد وحده؟

يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع المصالح الاقتصادية أن تتجاوز ذاكرة الصراع؟ الإجابة ليست بسيطة. فالاقتصاد لا يمحو التاريخ، ولا يلغي الذاكرة الوطنية، لكنه قادر على إعادة ترتيب الأولويات وخلق مصالح يومية تجعل القطيعة أكثر كلفة من إدارتها.

فتح الحدود، وتشغيل خطوط النقل، وتوسيع التجارة، وربط الأسواق، كلها خطوات يمكن أن تخلق واقعًا جديدًا يخفف من حدة العداء، ويمنح الطرفين أسبابًا عملية للحفاظ على التواصل. ومع الوقت، قد تتحول هذه المصالح إلى شبكة أمان سياسية تمنع العودة السهلة إلى القطيعة.

لكن ذلك لا يعني أن التطبيع سيتحول سريعًا إلى مصالحة تاريخية كاملة. فالأرجح أن البلدين يتجهان، في المرحلة الحالية، نحو تطبيع وظيفي مدفوع بالضرورة، لا نحو مصالحة شاملة تنهي كل رواسب الماضي. إنه تطبيع يقوم على البراغماتية، وعلى إدراك مشترك بأن الجغرافيا والاقتصاد قد يفرضان أحيانًا خيارات أقوى من الخطابات التاريخية المغلقة.

خاتمة

تقف تركيا وأرمينيا اليوم أمام لحظة إقليمية معقدة، لكنها تفتح في الوقت نفسه نافذة نادرة لإعادة التفكير في كلفة القطيعة وجدوى الانفتاح. فالمصالح الاقتصادية، ومشاريع الربط، وتحولات الطاقة، وتراجع بعض الضمانات التقليدية في جنوب القوقاز، كلها عوامل تدفع البلدين إلى اختبار مسار جديد.

غير أن هذا المسار سيظل محكومًا بثلاثة شروط رئيسية: قدرة الطرفين على إدارة الذاكرة التاريخية بحذر، ومراعاة حسابات أذربيجان وإيران، وتحويل المصالح الاقتصادية إلى مشاريع ملموسة ومستدامة.

وعليه، فإن التطبيع التركي–الأرمني قد لا يكون مصالحة كاملة مع الماضي، لكنه قد يكون بداية لتطبيع عملي تفرضه ضرورات الجغرافيا والاقتصاد. وفي منطقة يعاد فيها رسم الممرات والنفوذ، قد تصبح المصالح أقوى من القطيعة، حتى إن لم تكن قادرة وحدها على شفاء كل جراح التاريخ.

(2/2) انتهى

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى