بائعات الريف في تعز يواجهن واقعا اقتصاديا مريرا بأسواق المدينة القديمة

يضرب الصمود الأسطوري لنساء الريف اليمني أروع الأمثلة في مواجهة أزمات اقتصادية طاحنة تضرب عمق البلاد، حيث تواصل مئات السيدات القادمات من أرياف مدينة تعز رحلات شاقة ومضنية بشكل يومي نحو قلب المدينة، وتحديداً في سوق الباب الكبير، وذلك بهدف عرض منتجاتهن الزراعية والبلدية البسيطة، في محاولة مستميتة للحفاظ على تماسك أسرهن في ظل ظروف معيشية بالغة القسوة باتت تهدد بقاء هؤلاء البائعات وقدرتهن على الاستمرار في هذا النشاط التقليدي الذي يمثل شريان حياة حقيقي للاقتصاد المحلي في المحافظة.
تتجسد قسوة الواقع في الرحلة اليومية التي تقوم بها البائعات اللاتي يحملن على أكتافهن أوزاناً من السمن البلدي والجبن الريفي والخضروات الطازجة، حيث يتكبدن مشقة التنقل عبر طرق وعرة ومكلفة للغاية وسط ارتفاع جنوني في أجور المواصلات، وهو ما يلتهم جزءاً كبيراً من عوائدهن المحدودة، ومع ذلك تصر هؤلاء النساء على الوجود في الأسواق الشعبية كونهن يشكلن حلقة الوصل الوحيدة بين خيرات الأرض في القرى وبين المستهلك في المدينة، مما يعكس دوراً جوهرياً يتجاوز مجرد البيع إلى الحفاظ على الموروث الغذائي اليمني في مواجهة الانهيار الشامل.
تأتي قصة نور عبد السلام البالغة من العمر 61 عاماً لتلخص حجم المعاناة التي تعيشها هؤلاء النسوة، فهي تقطع المسافات الطويلة منذ أكثر من 30 عاماً قاصدة سوق الباب الكبير، حيث تعتمد بشكل كلي على بيع منتجاتها لتوفير احتياجات أسرتها الأساسية، وتؤكد نور أن العمل رغم تقدمها في السن بات الوسيلة الوحيدة للكرامة والاعتماد على الذات في بيئة اقتصادية منهارة، لكنها تشتكي من أن السنوات الأخيرة حملت أعباءً لا تطاق، حيث لم يعد التعب البدني هو العائق الوحيد، بل إن التراجع الحاد في القدرة الشرائية للمواطنين جعل البضائع تبقى دون مشترين لساعات طويلة.
تتفاقم الأزمة لتكشف عن وجه أكثر قتامة في حياة هؤلاء الكادحات، حيث توضح البائعة أمرية ثابت البالغة من العمر 67 عاماً أن مشهد السوق قبل الحرب كان مختلفاً تماماً، فاليوم تقف هؤلاء النسوة عاجزات أمام تلف بضائعهن الطازجة التي لا تجد من يشتريها بسبب فقر الناس المدقع، وتكشف أمرية أن أكثر من نصف ما تجلبه من بضائع يتلف يومياً ويضطررن للتخلص منه على نفقتهن الخاصة، مما يجعلهن في حالة خسارة مستمرة تضاف إلى معاناتهن في التنقل ووعورة الطرق التي أصبحت كابوساً يومياً يؤرق حياتهن.
يستمر الوضع في التدهور مع غياب أي مظلة حماية اجتماعية أو دعم يخفف من أعباء هؤلاء البائعات، اللاتي يغيب صوتهن عن صناع القرار، رغم أنهن يقدمن خدمة جليلة للمجتمع بتوفير غذاء طبيعي طازج بأسعار لا تزال في متناول الميسورين نسبياً، لكن الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد جعلت من تجارتهن البسيطة تجارة خاسرة في كثير من الأحيان، ومع ذلك تستمر هذه الفئة في الصمود، مدركة أن انقطاعها عن السوق يعني بالضرورة انقطاع أسباب العيش عن عائلات بأكملها تعتمد على هذه الكدح اليومي.
يبقى المشهد في سوق الباب الكبير شاهداً على واقع مؤلم، حيث تعجز آليات السوق عن إنصاف هؤلاء النساء اللاتي يمثلن الذاكرة الحية لريف تعز، وتؤكد الوقائع أن التحديات الجسيمة التي تواجهها نور وأمرية وغيرهن ليست مجرد صعوبات تجارية، بل هي أزمة وجودية حقيقية تتطلب التفاتة عاجلة لإنقاذ آلاف الأسر الريفية التي تقتات من هذا الكدح، فبقاء هؤلاء النساء في السوق هو فعل مقاومة أخيرة للبؤس والجوع الذي يزحف ببطء نحو القرى التي تمد المدينة بالحياة.







