
قبل أن أصل إلى باب الشعرية نائبًا عن أهلها و بسنوات طويلة، كان رجل آخر قد سبقني إلى هذا المقعد وإلى قلوب الناس معًا. رجل خرج من الحارات نفسها، وتنفس هواء الأزقة نفسها، وعرف وجوه البسطاء الذين ما زالت ملامحهم تسكن شوارع القاهرة القديمة حتى اليوم. وحين كان الناس يذكرون اسمه، لم يكونوا يتحدثون عن نائب برلماني فقط، بل عن واحد من أبناء الحي الذين صاروا جزءًا من ذاكرته.
كان اسمه سيد جلال.أحد أشهر نواب البرلمان المصري في القرن العشرين، وأحد أولئك الرجال الذين لم يصنعهم النفوذ، بل صنعتهم الشوارع التي خرجوا منها، والناس الذين حملوا أحلامهم فوق أكتافهم.
لم يبدأ حياته باشا ولا ابن باشا. لم يأت إلى السياسة من أبواب القصور أو من صالونات الطبقة الأرستقراطية. بدأ حياته عربجيًا بسيطًا في باب الشعرية. يقود عربته بين الأسواق والحارات، ويشق طريقه وسط ضجيج القاهرة القديمة وغبارها وأصوات باعة الأرصفة ونداءات الحمالين.
وحين تبدلت الأيام، وانتقل من مقعد العربة إلى مقعد البرلمان، لم يتنكر يومًا لتلك البداية. ظل محتفظًا بقطعة الحديد التي كان يعلقها على كتفه أثناء عمله القديم، وكان يعتز بها اعتزازًا لافتًا. لم يرها ذكرى لفقر مضى، بل وسامًا يذكره دائمًا بالطريق الذي جاء منه. ويُروى أنه ظهر بها أكثر من مرة حتى بعد أن أصبح نائبًا معروفًا تحت القبة، وكأنه أراد أن يقول إن الإنسان لا يكبر حين ينسى بداياته، بل حين يبقى وفيًا لها.
وربما لهذا السبب بالتحديد كان يرى ما لا يراه كثيرون. فالرجل الذي عرف القاهرة من أسفلها، لا من شرفاتها العالية، كان أكثر قدرة على رؤية وجع الناس الحقيقي. لم تكن مشكلات الأحياء الشعبية بالنسبة له أرقامًا في ملفات حكومية، بل مشاهد عاشها بنفسه وعرف تفاصيلها يومًا بيوم.
كانت القاهرة في ذلك الزمن مدينة تسير بين وجهين؛ وجه يزداد حداثة وتعليمًا وعمرانًا، ووجه آخر ما زال يحمل بقايا عصور قديمة. وبين تلك البقايا كان نظام البغاء الرسمي الذي منحته الحكومات المتعاقبة غطاءً قانونيًا، حتى أصبح وجوده جزءًا من المشهد الذي اعتاده كثيرون وتوقفوا عن التساؤل حوله.
وفي قلب دائرته كان شارع كلوت بك واحدًا من أشهر شوارع البغاء العلني في مصر كلها. هناك كانت تقف النساء على النواصي ومداخل البيوت، وتتكرر يوميًا مشاهد رآها سيد جلال إهانة لمدينة أحبها ولأناس عاش بينهم. وكان يشعر أن القاهرة تستحق صورة أجمل من تلك التي تفرضها عليها هذه الظاهرة.
لم يكن الرجل متحمسًا للوعظ أو الخطابة، ولم يكن من هواة الشعارات الكبرى. كان عمليًا بطبيعته. ولذلك لم يكتف بالغضب أو الشكوى، بل قرر أن يخوض معركة طويلة لإلغاء البغاء المرخص من جذوره القانونية والإدارية.
تقدم بالمذكرات والطلبات والأسئلة البرلمانية، وناقش الوزراء، وطرق الأبواب كلها تقريبًا. لكن الدولة كانت بطيئة الحركة، وكانت الملفات تتراكم فوق المكاتب أكثر مما تتحرك فوق أرض الواقع. وشيئًا فشيئًا أدرك أن الأوراق وحدها لن تكفي.
كان يعلم أن المسؤول قد يقرأ عشرات التقارير عن المشكلة دون أن يراها حقيقة واحدة بعينيه. ومن هنا بدأت تتشكل في ذهنه واحدة من أشهر الحيل السياسية في التاريخ البرلماني المصري.
ذهب إلى وزير الشؤون الاجتماعية آنذاك، جلال فهيم باشا، وأخبره بأنه يعتزم إقامة مشروع خيري كبير في باب الشعرية، يضم مدرسة ومرافق لخدمة الأهالي، وأن سكان الدائرة يتشرفون بزيارة الوزير لمعاينة الموقع وتشجيع المشروع.
لم يكن في الأمر ما يدعو إلى الشك، فوافق الوزير على الفور.
جاء اليوم الموعود. وركب الوزير الحنطور الذي أعده سيد جلال لاستقباله وسط أهالي الدائرة. كان كل شيء يبدو طبيعيًا تمامًا. لكن الوزير لم يكن يعلم أن الرحلة لم تكن متجهة فقط إلى مشروع خيري، بل إلى حقيقة أراد سيد جلال أن يضعه في مواجهتها وجهًا لوجه.
انعطف الحنطور نحو شارع كلوت بك. وسار ببطء متعمد. وما إن دخل الشارع حتى تغير المشهد كله. فقد ظنت النساء الواقفات هناك أن القادم شخصية ثرية أو زبون استثنائي، فتدافعن نحوه من كل اتجاه، وتحولت اللحظات القليلة إلى فوضى كاملة.
سقط الطربوش، وتمزقت بعض الملابس، وارتفعت الأصوات، ووجد الوزير نفسه وسط مشهد لم يكن يتخيل حجمه ولا صورته الحقيقية. وفي تلك الدقائق القصيرة رأى بعينيه ما عجزت عشرات المذكرات الحكومية عن نقله إليه.
عاد الوزير غاضبًا إلى بيته. لكن الغضب نفسه كان بداية التغيير. فبعد أيام قليلة فقط صدر القرار التاريخي بإلغاء البغاء الرسمي في مصر وإغلاق بيوت الدعارة المرخصة، لتنتهي صفحة كاملة من تاريخ طويل كانت الدولة نفسها تمنحه الشرعية القانونية.
قبل فترة وجيزة وقعت بين يدي وثيقة قديمة من ذلك الزمن. كانت رخصة رسمية لممارسة الدعارة تحمل الأختام والتوقيعات الحكومية.
تأملتها طويلًا. لم أر فيها مجرد ورقة صفراء من الماضي، بل رأيت حجم المعركة التي خاضها سيد جلال.
فالرجل لم يكن يواجه ظاهرة اجتماعية فقط، بل كان يواجه نظامًا كاملًا له لوائحه وأوراقه وأختامه وشرعيته القانونية.
وربما لهذا السبب تزداد قيمة ما فعله مع مرور الزمن. فالأصعب من مقاومة الخطأ أن تنتزع عنه غطاء الشرعية. والأخطر من الانحراف نفسه أن يتحول إلى مؤسسة يعترف بها القانون.
لكن المعركة لم تنته عند ذلك الحد. فبعد سنوات وقف أحد النواب مطالبًا بإعادة البغاء الرسمي من جديد، متذرعًا بحجج صحية واجتماعية وتنظيمية. وكان يمكن للفكرة أن تجد من يتعاطف معها أو يناقشها بجدية.
يومها وقف سيد جلال مرة أخرى. استند إلى الدراسات والإحصاءات الطبية العالمية، ورد على الحجج المطروحة واحدة تلو الأخرى، ثم انتقل من لغة الأرقام إلى لغة الضمير.
تحدث عن العمل والزواج والأسرة والكرامة الإنسانية، وعن مسؤولية الدولة في فتح أبواب المستقبل أمام الشباب لا أبواب السقوط.
وانتهت المواجهة بانتصار جديد للرجل الذي خاض المعركة الأولى. فسقط الاقتراح، وبقي القرار الذي شارك في صناعته قائمًا، لتطوى الصفحة مرة أخرى.
ولعل ما يدفعني إلى استعادة هذه السيرة اليوم أن بعض الأصوات عادت لتطرح الأفكار نفسها بأسماء جديدة ومبررات حديثة.
وبينما ينشغل البعض بإحياء ما ظن المصريون أنهم تجاوزوه منذ أكثر من سبعين عامًا، لم أجد ردًا أبلغ من العودة إلى سيرة سيد جلال نفسه.
فبعض الرجال تتحول حياتهم إلى حجة. وتصبح مواقفهم أقوى من المقالات والخطب والبيانات. وما دام التاريخ قد أنجب رجالًا خاضوا هذه المعركة وانتصروا فيها، فإن استدعاء سيرتهم يبقى أصدق من أي جدل جديد.
غير أن سيد جلال لم يكن رجل معركة واحدة. ففي الوقت الذي كان يغلق فيه بابًا رآه إهانة للمجتمع، كان يفتح أبوابًا أخرى للحياة. ومن هنا ارتبط اسمه بمستشفى سيد جلال، التي أصبحت لاحقًا أحد أهم المستشفيات التابعة لجامعة الأزهر، وصارت مقصدًا للمرضى وطلاب الطب والعلم.
وكأن القدر أراد أن يلخص حياته كلها في صورتين متجاورتين؛ رجل أغلق بابًا للانحدار، وفتح بابًا للشفاء. رجل قاوم ما اعتبره عارًا على المجتمع، وترك وراءه مؤسسة ما زالت تمنح الناس الأمل كل يوم.
رحل سيد جلال منذ زمن طويل، لكن اسمه بقي في ذاكرة باب الشعرية، وعلى جدران المستشفى التي تحمل اسمه، وفي صفحات البرلمان المصري. وبقي أيضًا على ذلك المقعد الذي جلست عليه بعده بسنوات طويلة، كلما مر بخاطري تذكرت أن السياسة في أجمل صورها ليست صراعًا على المقاعد، بل مسؤولية تجاه ما نتركه فوقها بعد أن نغادرها.
ولهذا لا يغيب سيد جلال.
فبعض الرجال لا يورثون أبناءهم مالًا أو جاهًا أو نفوذًا…
بل يورثون أوطانهم أثرًا…
والأثر الصادق لا يموت







