
في العلاقات الدولية لا تُقاس النيات بقدر ما تُقاس النتائج. فالدول نادرًا ما تعلن أهدافها النهائية بصورة مباشرة، بل تتحرك عبر مراحل متعاقبة من الضغط والتفاوض وإعادة ترتيب الوقائع على الأرض. ولهذا فإن السؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد “خدعتا” لبنان أو غزة أو العراق لا يمكن الإجابة عنه من خلال النوايا المعلنة، بل من خلال مقارنة الوعود السياسية بالنتائج التي تحققت فعليًا.
ومن هذه الزاوية، تبرز فرضية تستحق الدراسة: هل تتبع واشنطن وتل أبيب استراتيجية تقوم على تحييد الخصوم تدريجيًا عبر التفاهمات المرحلية، ثم استثمار التحولات الناتجة عنها لفرض توازنات جديدة لم تكن جزءًا من الاتفاق الأصلي؟ وإذا كان هذا النمط موجودًا بالفعل، فهل يمكن أن يتكرر مع إيران؟
أولًا: ما بعد اتفاق لبنان… وقف حرب أم تغيير موازين قوة؟
عندما أُعلن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في أواخر عام 2024، بدا الهدف المعلن واضحًا: إنهاء المواجهة العسكرية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية وإعادة الاستقرار إلى الجنوب اللبناني.
لكن القراءة الاستراتيجية لا تتوقف عند النصوص الرسمية، بل تراقب النتائج اللاحقة. فبعد أشهر من الاتفاق برز واقع جديد تمثل في تراجع هامش الحركة العسكرية للحزب داخل الجنوب اللبناني، مقابل احتفاظ إسرائيل بقدرة أعلى على فرض شروطها الأمنية. وبغض النظر عن الجدل القانوني حول تفسير بنود الاتفاق، فإن النتيجة العملية كانت انتقال المبادرة العسكرية إلى الطرف الإسرائيلي بدرجة أكبر مما كانت عليه قبل الحرب.
وهنا يظهر سؤال جوهري: هل كان الاتفاق نهاية للصراع أم مرحلة في عملية أوسع تهدف إلى تقليص القدرة العسكرية للحزب تدريجيًا دون الدخول في حرب استنزاف طويلة؟
هذا السؤال لا يملك جوابًا قطعيًا، لكنه يطرح نموذجًا مهمًا لفهم السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة: استخدام التسويات كوسيلة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية لا مجرد إيقاف القتال.
ثانيًا: غزة وإشكالية “اليوم التالي”
في غزة برز نمط مشابه من زاوية مختلفة. فقد انصبّ التركيز الأمريكي والإسرائيلي منذ بداية الحرب على ما يسمى “اليوم التالي”، أي شكل السلطة والنظام الأمني بعد انتهاء العمليات العسكرية.
ولم يكن الخلاف الحقيقي يدور فقط حول وقف إطلاق النار، بل حول من سيملك السلطة بعده، وهنا يظهر البعد الاستراتيجي الأعمق: فالمطلوب لم يكن فقط إنهاء الحرب، بل إعادة بناء البيئة السياسية بما يمنع عودة البنية العسكرية والتنظيمية التي سبقت الحرب.
بمعنى آخر، لم يكن وقف إطلاق النار هدفًا نهائيًا بحد ذاته، بل جزءًا من مشروع إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني الفلسطيني، بما في ذلك الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة بتحويلهما إلى قضيتين مختلفتين لا رابط بينهما.
ثالثًا: العراق… ساحة الضغط غير العسكري
أما العراق فيمثل نموذجًا مختلفًا. فبدلًا من الحرب المباشرة، جرى استخدام أدوات الدولة والاقتصاد والنظام المالي العالمي.
فالاقتصاد العراقي مرتبط بصورة عميقة بالنظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، كما أن بغداد تعتمد بدرجات مختلفة على التفاهمات الأمنية والسياسية مع واشنطن. وقد منح ذلك الإدارة الأمريكية قدرة كبيرة على ممارسة الضغوط في ملفات تتعلق بالفصائل المسلحة والعلاقة مع إيران.
واللافت هنا أن الضغط لم يكن موجهًا إلى إيران مباشرة، بل إلى البيئات الحليفة لها. وهذا يعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي: بدلًا من مواجهة المركز مباشرة، يجري العمل على تقليص نفوذه عبر إعادة تشكيل الأطراف المحيطة به.
رابعًا: سقوط سوريا وتفكك محور المقاومة
إذا كانت سوريا طوال عقود تمثل الحلقة الجغرافية التي تربط إيران بالعراق ولبنان وفلسطين، فإن ما شهدته الساحة السورية خلال السنوات الأخيرة أدى إلى إضعاف هذه الوظيفة الاستراتيجية بصورة واضحة.
ومن منظور إسرائيلي، يمكن اعتبار إضعاف الدور السوري أحد أكبر التحولات الجيوسياسية في المنطقة منذ عقود، لأنه حدّ من قدرة إيران على العمل ضمن فضاء إقليمي متصل جغرافيًا.
وهنا تظهر نقطة مهمة: فالتغييرات الكبرى لا تتحقق دائمًا عبر الحروب المباشرة، بل عبر تفكيك الروابط التي تمنح الخصوم القدرة على العمل المشترك.
خامسًا: اليمن… المعضلة التي لم تُحل
في المقابل، يبدو اليمن حالة مختلفة نسبيًا.
فعلى الرغم من سنوات طويلة من الحرب والضغوط الاقتصادية والعسكرية، لم تتمكن الولايات المتحدة أو حلفاؤها من فرض تسوية نهائية تنهي نفوذ وقوة حركة أنصار الله في اليمن.
ولهذا يتحدث بعض المحللين عن احتمال تكريس واقع سياسي مزدوج بين شمال وجنوب اليمن إذا تعذر فرض نموذج موحد للحكم.
غير أن هذا السيناريو لا يزال محل جدل، ولا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة على وجود خطة دولية متفق عليها لتقسيم اليمن بصورة رسمية. لكن من الواضح أن استمرار الانقسام الفعلي يحقق لبعض القوى الإقليمية والدولية أهدافًا استراتيجية تتعلق بتقييد نفوذ أنصار الله ومنعهم من التحول إلى سلطة على كامل البلاد.
سادسًا: هل إيران هي الهدف النهائي؟
هنا نصل إلى السؤال المركزي.
إذا نظرنا إلى المشهد كاملًا، نجد أن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية طالت أو تطال معظم البيئات المرتبطة بإيران: لبنان، سوريا، العراق، غزة، واليمن.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود خطة موحدة أو مؤامرة شاملة، لكنه يشير إلى وجود هدف استراتيجي ثابت يتمثل في تقليص قدرة إيران على تحويل نفوذها الإقليمي إلى قوة مؤثرة في موازين الشرق الأوسط.
سابعًا: لماذا لا تثق طهران بسهولة؟
تستند الشكوك الإيرانية إلى مجموعة من الوقائع التاريخية.
أبرز هذه الوقائع تجربة الاتفاق النووي لعام 2015. فقد التزمت إيران بقيود واسعة على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات، لكن انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق عام 2018 أعاد فرض العقوبات وأدى إلى انهيار جزء كبير من التفاهمات السابقة.
ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن هذه التجربة أثبتت أن التفاهم مع واشنطن لا يوفر بالضرورة ضمانات طويلة الأمد.
كما أن إيران تراقب ما حدث في دول أخرى تخلت عن بعض أوراق قوتها الاستراتيجية ثم وجدت نفسها لاحقًا في مواجهة ضغوط جديدة. ولهذا ينظر كثير من صناع القرار الإيرانيين إلى أي اتفاق باعتباره مرحلة في الصراع لا نهاية له.
ثامنًا: ما الذي قد يكون في جعبة الولايات المتحدة وإسرائيل؟
لا توجد أدلة على خطط سرية محددة، لكن التحليل الاستراتيجي يسمح بتوقع عدد من المسارات المحتملة:
أولًا، تعميق الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية لمنع إيران من تحقيق قفزات نوعية في المجالات العسكرية والنووية، وقد يكون الصندوق الاستثماري بوابة السطو على اقتصاديات إيران.
ثانيًا، توسيع عمليات الاحتواء الإقليمي عبر بناء شبكات تحالفات أمنية وعسكرية أوسع.
ثالثًا، استثمار التحديات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران لزيادة كلفة المواجهة الخارجية، وتعزيز العمل لإيجاد شريك داخلي “الفصائل الكردية” أو خارجي “النظام الجديد في سوريا” ليقوما بالمهمة القذرة بديلًا لأمريكا وإسرائيل.
رابعًا، التركيز على الحرب السيبرانية والاستخبارية باعتبارها أقل كلفة من الحروب التقليدية وأكثر قدرة على إبطاء القدرات الإيرانية.
خامسًا، العمل على تقليص النفوذ الإيراني في الساحات الإقليمية الواحدة تلو الأخرى بدلًا من المواجهة الشاملة المباشرة، وعدم الإتيان على ذكر أي من الحلفاء غير لبنان في الاتفاق سيشكل بداية ذلك.
هل الخديعة قادمة أم أن الصراع مستمر؟
قد يكون استخدام كلمة “خديعة” تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا. فالدول الكبرى لا تعمل عادة بمنطق الخداع الفردي بقدر ما تعمل بمنطق المصلحة وإعادة تشكيل موازين القوى.
لكن ما يمكن ملاحظته بوضوح هو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان منذ سنوات إلى بناء بيئة إقليمية تقل فيها قدرة إيران وحلفائها على التأثير الاستراتيجي. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هناك خديعة قادمة، بل ما إذا كانت إيران قادرة على قراءة التحولات الجارية والتكيف معها قبل أن تتحول الوقائع الجديدة إلى حقائق دائمة، فمقابل الصمود الأسطوري في المواجهة، إلا أن هذه الحرب أعادت تعميق الخلافات مع العرب وخصوصًا دول الخليج، وهو ما قد يقود إلى تحالفات لم تكن واردة مع إسرائيل تحديدًا.
ففي النهاية، لا تُحسم الصراعات الكبرى عند طاولات التفاوض وحدها، بل في القدرة على فهم الاتجاه الذي يتحرك فيه التاريخ قبل أن يصبح أمرًا واقعًا، وهو ما يعني أن النتائج ليست في ما كُتب على الورق بل في ما سيصبح حقيقة على الأرض، ولا أظن أنه قد غاب عن إيران الفخاخ المنصوبة هناك وأهمها:
أولًا: غياب فلسطين واليمن والعراق عن المذكرة.
ثانيًا: الإبقاء على أموال إيران محجوزة واستبدالها بصندوق استثماري قد يتحول إلى سطو على اقتصاد إيران، ولا يجوز إغفال حال الاقتصاد العراقي رغم ثروات العراق.
ثالثًا: رغم أن النص يظهر إيران على أنها المنتصرة الحقيقية، فحتى كلمة تعهد أو التزام لم ترد مرادفة لاسم إيران وحدها على الإطلاق، بينما ورد ذلك مقرونًا باسم الولايات المتحدة وحدها ست مرات، وهذا أمر لافت للنظر أن يأتي من الولايات المتحدة.
يمكن القول إن هذه المذكرة حملت عناصر ضعفها منذ لحظة ولادتها، إذ إن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان كشف هشاشة بنيتها سريعًا. فقد أُبرم الاتفاق مع غياب إسرائيل عن إطاره الرسمي، رغم كونها الطرف الأكثر تأثيرًا ميدانيًا، كما خلا من آليات واضحة تُلزمها بالتنفيذ، ما جعله أقرب إلى صيغة نظرية منه إلى ترتيب عملي.
هذا الخلل البنيوي أفرز معادلة معقدة لإيران: فالرد على التصعيد قد يُفسَّر كخرق للاتفاق، بينما الامتناع عنه يفتح المجال لتكريس واقع ميداني جديد. وفي هذا السياق، لا يبدو أن الإشكال يكمن في خرق الاتفاق بقدر ما يكمن في تصميمه ذاته، حيث تتحول مثل هذه التفاهمات إلى أدوات لإدارة التوازنات وإعادة تشكيلها تدريجيًا، لا إلى تسويات مستقرة بالمعنى التقليدي.







