سورياملفات وتقارير

مطالبات دستورية بإنهاء سياسات طمس الهوية الكردية في مناطق شمال شرقي سوريا

يواجه المكون الكردي في الجمهورية العربية السورية تحديات وجودية تتمثل في محاولات ممنهجة تتبعها الجهات الإدارية القائمة لإقصاء اللغة الكردية من المنظومات التعليمية والإدارية، في محاولة واضحة لفرض نمط أحادي يهدف إلى طمس الخصوصية الثقافية للمجتمع الكردي، وتأتي هذه التحركات وسط موجة من الاستياء المتصاعد في الأوساط الثقافية والحقوقية التي ترى في هذه السياسات استمراراً لنهج استيعاب قسري يهدد بتآكل الهوية الوطنية الكردية في روج آفا.

تؤكد رودين محمد وهي خريجة قسم اللغة والأدب الكردي من جامعة كوباني أن التعليم باللغة الأم ليس ترفاً ثقافياً بل هو ضرورة وجودية للبقاء، وتوضح رودين محمد أن حرمان الأطفال من تلقي تعليمهم بلغتهم الأصلية في المراحل التأسيسية يخلق فجوة معرفية واضطراباً في الهوية، مشيرة إلى أن استيعاب المفاهيم الحياتية والمجتمعية يرتبط بشكل وثيق باللغة التي ينشأ عليها الفرد، معتبرة أن اللغة الكردية تحمل في طياتها جذوراً تاريخية عريقة لا تقل في عمقها وأصالتها عن أي لغة أخرى في المنطقة.

تنتقد رودين محمد السياسات التعليمية التي فرضت لعقود طويلة محددة ضمن مناهج الدولة، وتستذكر رودين محمد التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة بعد اندلاع الثورة السورية في 19 يوليو 2012، حيث بدأت خطوات فعلية لانتزاع الحق في التعليم باللغة الأم، واصفة تلك الفترة بأنها كانت لحظة فارقة استطاع فيها الكرد استعادة جزء من حقوقهم المهدورة، ومؤكدة أن المرأة الكردية وجدت في هذا المسار وسيلة حقيقية لإثبات ذاتها والتعبير عن كينونتها بعيداً عن سياسات التهميش التي مارستها الأنظمة المتعاقبة.

تشير لافين مراد وهي طالبة في الصف الثاني عشر بمدينة قامشلو إلى أن صراع الهوية يتركز بالأساس حول استمرار التعليم باللغة الكردية، وتشدد لافين مراد على أن أي محاولة لإقصاء هذه اللغة تعد استهدافاً مباشراً للوجود الكردي، موضحة أن الطلاب في روج آفا يرفضون بشكل قاطع سياسات الحكومة السورية المؤقتة التي تتجاهل مطالبهم المشروعة، وتؤكد لافين مراد أن التضحيات التي قدمت في هذا السياق لم تكن إلا درعاً لحماية اللغة من الانصهار القسري في لغات أخرى.

تتصاعد حدة المطالبات بضرورة الاعتراف الرسمي باللغة الكردية وإدراجها ضمن مواد الدستور السوري الجديد كحق أصيل من حقوق المكونات السورية، وتوضح لافين مراد أن الطموح الكردي لا يتوقف عند حدود التعليم المحلي، بل يتجاوزه إلى تثبيت وجود اللغة كعنصر أساسي في النسيج الوطني، محذرة من أن استمرار تجاهل هذه المطالب يعمق من حالة الانقسام الثقافي ويضعف فرص الوصول إلى صيغة تعايش حقيقية تحفظ للمكونات خصوصيتها في مستقبل الجمهورية العربية السورية.

تتفق الأوساط الحقوقية في روج آفا على أن لغة الأم هي الوعاء الذي يحفظ الأدب والفكر والتراث المجتمعي، وتؤكد رودين محمد أن الانتقال من التناقض المعرفي الذي كان يفرضه النظام السابق إلى التعلم بلغة الأم حقق طفرة نوعية في قدرة الطلاب على التحليل والإبداع، وتشدد رودين محمد على ضرورة تكثيف الأبحاث والإصدارات الأدبية الموجهة للأطفال لتجاوز قصور الدراسات السابقة وضمان استمرارية نقل التراث الثقافي للأجيال الجديدة في ظل الظروف السياسية الراهنة والمضطربة.

يعتبر المتابعون للملف الكردي أن قضية اللغة هي حجر الزاوية في أي حوار مستقبلي حول الهوية الوطنية، وترى لافين مراد أن بقاء اللغة الكردية مرهون بمواجهة محاولات القضاء عليها عبر التعليم المستمر والتمسك بالحقوق الدستورية، وتختتم لافين مراد حديثها بالتأكيد على أن لغة الأم ستظل عنواناً للوجود الكردي وأداة للتطور الثقافي، رافضة أي مساومات سياسية قد تؤدي إلى تضييع هذا الحق التاريخي الذي تدافع عنه الأجيال الشابة في مختلف مدن روج آفا بكل إصرار وعزيمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى