حافظ عفيفي باشا: من قمة السلطة بالديوان الملكي إلى أزمات قضايا المخدرات

تستعرض ذاكرة التاريخ اليوم محطات مثيرة في حياة الدكتور حافظ عفيفي باشا الذي رحل عن عالمنا في 20 يونيو عام 1961، وهو الطبيب الذي تحول من جراحات الأطفال إلى ردهات السياسة الدولية ومناصب الحكم الرفيعة، حيث شغل مقعد وزير الخارجية ورئيس الديوان الملكي، تاركاً خلفه مسيرة حافلة بالتناقضات بدأت بالعمل الإنساني وانتهت بصراعات السلطة، مروراً بواقعة اتهام نجله في قضية أثارت جدلاً واسعاً في المجتمع المصري خلال خمسينيات القرن الماضي.
يؤكد السجل التاريخي أن حافظ عفيفي ولد في القاهرة عام 1886، وأظهر نبوغاً مبكراً في اللغة والطب، حيث نال دبلوم الطب عام 1907، ثم سافر إلى أوروبا لصقل مهاراته قبل عودته ليتولى إدارة مستشفى الأطفال، وبدأت تحولاته السياسية حين كلفه الخديو عباس حلمي الثاني برئاسة الهلال الأحمر المصري عام 1912، وهي المهمة التي قادته إلى ليبيا خلال الحرب التركية، وهناك اكتسب حافظ عفيفي صداقات سياسية مؤثرة مع قيادات مثل كمال أتاتورك، مما رسخ لديه قناعة بأن العمل السياسي هو طريقه الأنسب.
ينخرط حافظ عفيفي في المعترك السياسي عقب ثورة 1919، حيث انضم إلى حزب الوفد قبل أن يغادره عام 1921 ليشارك في تأسيس حزب الأحرار الدستوريين، وأسس جريدة السياسيين لتكون منبراً لأفكاره، وتولى منصب وزير الخارجية في حكومة محمد محمود باشا، حيث تميز بأسلوب دبلوماسي جذب إليه الأنظار، كما كان شديد الإعجاب بالثقافة الإنجليزية التي دفعته لتأليف كتابه الشهير الإنجليز في بلادهم، حيث قدم فيه شرحاً مفصلاً لأنماط الحياة والأنظمة السياسية الغربية التي أثارت إعجابه الشخصي.
تصل مسيرة حافظ عفيفي إلى ذروتها عام 1951 حين جرى تعيينه رئيساً للديوان الملكي، وهو المنصب الذي وضعه في مواجهة مباشرة مع التغيرات الجذرية التي شهدتها البلاد بعد ثورة 23 يوليو 1952، حيث أطاحت الثورة بالنظام الملكي وخرج حافظ عفيفي من دائرة الضوء، لكن المتاعب لم تلاحقه سياسياً فقط، بل امتدت لتطال أسرته في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، حين اتُهم نجله أمين حافظ عفيفي بحيازة مواد مخدرة في واقعة نُشرت تفاصيلها في 19 نوفمبر 1952.
تسترجع الوثائق تفاصيل القضية التي بدأت أثناء إضراب عمال كفر الدوار، حيث جرى القبض على نجل حافظ عفيفي بدعوى وجود قطعة من الحشيش في جيبه، وهي التهمة التي هددت بتلطيخ اسم عائلة حافظ عفيفي وتاريخها الطويل، لكن التحقيقات اللاحقة كشفت عن مفاجأة مدوية، حيث تبين أن تلك المواد قد دُسّت في جيب أمين حافظ عفيفي بتدبير من أطراف أخرى، وهو ما أكدته شهادة أحد الضباط الذين عاينوا الموقف ووثقوا ما رصدته أعينهم، مما أدى في النهاية إلى تبرئة نجل حافظ عفيفي من التهمة المنسوبة إليه بعد رحلة قضائية شاقة.
يُذكر أن حافظ عفيفي واصل حياته بعيداً عن صخب السياسة حتى وفاته في 20 يونيو عام 1961 عن عمر ناهز 81 عاماً، تاركاً إرثاً يجمع بين كونه رائداً في الطب وبين كونه سياسياً مثيراً للجدل، حيث تظل تفاصيل حياته منذ توليه رئاسة الديوان الملكي وحتى أزمة نجله القضائية بمثابة دروس في تقلبات الأيام، حيث لا يبقى من سيرته سوى ما دونه التاريخ عن رجل تقلب في المناصب وعاصر حقبات سياسية كبرى، ورغم محاولات التشويه التي واجهته واجهت عائلته، ظل حافظ عفيفي شاهداً على عصر مليء بالتحولات القاسية والقرارات التاريخية الصعبة.







