مصرملفات وتقارير

أزمة التعيينات القضائية: استبعاد 105 مرشحين بقرارات من الأكاديمية العسكرية

تتصاعد حدة التوتر في الأوساط القضائية المصرية للعام الثاني على التوالي، وذلك على خلفية استمرار استبعاد أعداد كبيرة من أبناء القضاة والمستشارين من استكمال إجراءات التعيين في الهيئات والجهات القضائية، بعد رسوبهم في الاختبارات والكشوف التخصصية التي تجريها الأكاديمية العسكرية، والتي باتت منذ عام 2023 شرطًا إلزاميًا وجوهريًا لاستكمال مسارات التعيين في كافة قطاعات الدولة، بما في ذلك المؤسسات القضائية العريقة التي كانت تخضع تاريخيًا لقوانينها الخاصة.

يبلغ إجمالي عدد المرشحين المستبعدين من أبناء القضاة في التعيينات الأخيرة 105 مرشحين، وتتوزع هذه الأعداد بواقع 42 مرشحًا لتظلمات ودفعات النيابة العامة، و37 مرشحًا لدفعات وتظلمات مجلس الدولة، بالإضافة إلى 26 مرشحًا من دفعة النيابة الإدارية لعام 2021. تمت هذه الاستبعادات خلال مرحلة الاختبارات التي انطلقت في أبريل 2026 واستمرت على مدار ثلاثة أسابيع كاملة، بهدف تصفية المرشحين قبل التحاق المقبولين بالدورة التأهيلية التي تمتد لستة أشهر داخل الأكاديمية العسكرية، والتي بدأت فعالياتها في 25 أبريل الماضي.

ترجع جذور هذه الأزمة إلى القرار الحكومي الصادر في 22 أبريل 2023، والذي ألزم كافة المعينين الجدد في الجهات الحكومية بالحصول على دورة تأهيلية داخل الأكاديمية العسكرية، وهو إجراء امتد أثره ليشمل النيابة العامة ومجلس الدولة والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة. وقد تسببت هذه الآلية في حالة من الغضب والاستياء داخل نوادي القضاة والهيئات القضائية؛ حيث يرى تيار واسع من المستشارين أن إخضاع المعينين لاختبارات بدنية وطبية خارج الإطار القضائي يمثل مساسًا مباشرًا باستقلال السلطة القضائية، ويجرد المجالس الخاصة للهيئات من صلاحياتها الأصيلة في اختيار كوادرها.

تتمثل أسباب الرسوب والاستبعاد في عدم اجتياز المرشحين للكشوف الطبية أو الاختبارات الرياضية والبدنية التي تطبق معايير عسكرية صارمة، مثل اشتراط الوزن المثالي، وقوة الإبصار المحددة، والتدقيق في الحالة الصحية العامة. وفي هذا السياق، يشير عدد من القضاة إلى حالات محددة، منها استبعاد مرشحين لتجاوز وزنهم بمقدار 10 كيلوغرامات، رغم عدم اتسامهم بالبدانة، بالإضافة إلى استبعاد آخرين لاعتبارات أمنية، مثل وجود محاضر تحريرية تتعلق بواقعات غش أو تعدٍ على أعضاء هيئات التدريس في الجامعات، وهو ما أدى لنتائج استبعاد وصفها البعض بالصادمة لكون معظم هؤلاء قد اجتازوا بالفعل كافة المراحل القضائية التقليدية والمقابلات الشخصية.

يذكر أن العام الماضي 2025 شهد استبعاد ما لا يقل عن 173 مرشحًا من أبناء القضاة، مما دفع العديد من القيادات القضائية، وبينهم رؤساء محاكم ونواب لرؤساء هيئات، إلى التحرك لبحث آليات تقديم مذكرات اعتراض رسمية أو رفع دعاوى قضائية للطعن على هذه الإجراءات. يشدد القضاة المعترضون على أن الكفاءة القانونية والتقدير الجامعي هما المعيار الأصيل الذي استندت إليه الهيئات لسنوات طويلة، مؤكدين أن مراكز التدريب القضائي القائمة بالفعل تمتلك القدرة الكاملة على تأهيل الكوادر الجديدة مهنيًا وقانونيًا، دون الحاجة لفرض مسارات موازية تفرض اشتراطات بدنية وجسدية لا تتقاطع مع طبيعة العمل المنوط به القاضي على المنصة.

إن تداخل المعايير العسكرية مع التقاليد القضائية خلق فجوة قانونية واسعة، حيث يصر المعترضون على أن التعيين في القضاء يجب أن يظل حكرًا على المجالس الخاصة التابعة للهيئات القضائية، تطبيقًا لمبدأ الفصل بين السلطات. وفي الوقت الذي تلتزم فيه الجهات بتطبيق القرار الحكومي، تظل التساؤلات مطروحة حول مصير التظلمات التي يعتزم المستشارون تقديمها إلى المجلس الخاص لهيئة النيابة الإدارية أو عبر مسارات قضائية أخرى، بحثًا عن مخرج يعيد التوازن بين متطلبات الدولة التأهيلية وبين حرمة واستقلال المؤسسة القضائية التي ترفض ربط مستقبل أبنائها بمعايير اللياقة البدنية والوزن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى