
عندما يُذكر التقارب الإيراني مع الصين وروسيا، يُقدَّم المشهد غالبًا وكأن الدول الثلاث تشكل محورًا واحدًا متجانسًا في مواجهة الغرب. لكن التمعن في طبيعة العلاقات بين هذه القوى يكشف صورة أكثر تعقيدًا، فما يجمع طهران ببكين ليس هو نفسه ما يجمعها بموسكو، وما تريده الصين من إيران يختلف في جوانب جوهرية عما تريده روسيا.
فالحديث عن محور روسي-صيني-إيراني قد يكون مفيدًا لفهم بعض التوازنات الدولية، لكنه لا يكفي لفهم طبيعة المصالح الحقيقية التي تحكم العلاقات بين هذه الأطراف، فلكل من بكين وموسكو أسبابها الخاصة للتمسك بالعلاقة مع طهران. فالصين تنطلق في المقام الأول من اعتبارات اقتصادية وتجارية، بينما تنطلق روسيا من اعتبارات استراتيجية وسياسية أوسع.
من الغرب إلى روسيا: كيف تغيرت قصة البرنامج النووي الإيراني؟
من المفارقات التي يغفلها كثيرون أن البرنامج النووي الإيراني لم يبدأ روسيًا في الأصل، ففي عهد الشاه، دعمت الولايات المتحدة البرنامج النووي الإيراني ضمن مبادرة “الذرة من أجل السلام”، كما شاركت ألمانيا الغربية في بناء مفاعلي بوشهر عبر شركة سيمنز، بينما كانت إيران شريكًا ماليًا في مشروع “يوروديف” الفرنسي لتخصيب اليورانيوم.
يختلف موقع إيران في حسابات الطرفين. فبالنسبة للصين، ترتبط أهمية طهران بموقعها داخل شبكات التجارة والطاقة العابرة للقارات، بينما ترتبط أهميتها بالنسبة لروسيا بملفات النفوذ والتوازنات الدولية التي تشكل جزءًا من تنافسها المستمر مع الغرب.
لكن الثورة الإسلامية عام 1979 ثم الحرب العراقية الإيرانية والعقوبات الغربية غيرت المشهد بالكامل. انسحبت الشركات الألمانية، وجُمد التعاون الفرنسي، وتحول البرنامج النووي الإيراني تدريجيًا من مشروع مرتبط بالغرب إلى مشروع أصبح بقاؤه واستمراره مرتبطًا بدرجة كبيرة بروسيا.
وفي منتصف التسعينيات دخلت موسكو بقوة إلى الملف النووي الإيراني، وتولت استكمال مشروع بوشهر. ولم يقتصر دورها على البناء فقط، بل امتد إلى تزويد المفاعل بالوقود النووي، وتدريب الكوادر الإيرانية، والمشاركة في الترتيبات التقنية المتعلقة بالتشغيل والسلامة النووية.
ومنذ ذلك الوقت لم تعد روسيا مجرد شريك اقتصادي لإيران، بل أصبحت جزءًا من البنية التشغيلية للبرنامج النووي نفسه.
لماذا دعمت موسكو البرنامج النووي الإيراني؟
غالبًا ما يُفسر الدعم الروسي لإيران باعتباره مجرد موقف سياسي معادٍ للولايات المتحدة، لكن الصورة أكثر تعقيدًا. فبالنسبة لموسكو، وفر البرنامج النووي الإيراني مجموعة من المكاسب الاستراتيجية:
أولًا، منح روسيا دورًا دائمًا داخل أحد أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط.
ثانيًا، جعل إيران بحاجة إلى الخبرة والتكنولوجيا والغطاء السياسي الروسي.
ثالثًا، منع الولايات المتحدة من الانفراد بإدارة الملف الإيراني أو إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعيدًا عن موسكو.
وقد ظهر هذا الدور بوضوح في الاتفاق النووي لعام 2015، عندما لم تعد روسيا مجرد عضو في مجموعة 5+1 أو وسيط سياسي بين إيران والغرب، بل أصبحت جزءًا من آلية تنفيذ الاتفاق نفسها.
ففي كانون الأول/ ديسمبر 2015، نقلت إيران إلى روسيا أكثر من 11 طنًا من اليورانيوم منخفض التخصيب، بما في ذلك جميع المواد المخصبة بنسبة 20 في المئة التي لم تكن قد حُولت بالفعل إلى وقود لمفاعل طهران البحثي. وكان الهدف من هذه الخطوة تقليص المخزون الإيراني إلى أقل من 300 كيلوغرام وإطالة زمن الاختراق النووي إلى نحو عام كامل بدلًا من أقل من ثلاثة أشهر.
ولم تكن أهمية هذه الخطوة في حجم المواد المنقولة فقط، بل في دلالتها السياسية والاستراتيجية. فحين تصبح روسيا الجهة التي تستقبل الجزء الأكبر من المخزون النووي الإيراني، فإنها تتحول من طرف مشارك في المفاوضات إلى شريك مباشر في إدارة الملف النووي نفسه.
ولم يكن نقل هذا المخزون مجرد عملية تخلص من مواد نووية، ففي المقابل حصلت إيران على يورانيوم طبيعي ومهدت الطريق للوصول إلى “يوم التنفيذ”، وهو ما ترتب عليه رفع جزء مهم من العقوبات الدولية والإفراج عن أصول مالية مجمدة وعودة تدريجية إلى الاقتصاد العالمي.
أما روسيا، فقد خرجت من الاتفاق بمكسب استراتيجي بالغ الأهمية، فهي لم تصبح مجرد وسيط بين إيران والغرب، بل تحولت إلى شريك لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
المنطقة الرمادية التي تفضلها موسكو
لكن المثير للاهتمام أن روسيا لم تكن متحمسة للوصول إلى أي من النهايتين المتطرفتين. فهي لا ترغب في رؤية إيران تمتلك سلاحًا نوويًا معلنًا، لأن ذلك قد يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط ويهدد الاستقرار على حدودها الجنوبية، وفي الوقت نفسه لا تبدو متحمسة لإنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل أو دمج إيران بصورة كاملة داخل المنظومة الغربية. فالسيناريو الأول يخلق أزمة أمنية جديدة، أما السيناريو الثاني فيفقد موسكو واحدة من أهم أوراق نفوذها الدولية.
ربما لهذا السبب لم تبد موسكو متحمسة يومًا لحسم الملف في أي اتجاه نهائي، فهي لا تريد إيران نووية بصورة معلنة، لكنها لا تبدو متحمسة أيضًا لإنهاء البرنامج بالكامل. والنتيجة المفضلة بالنسبة لها تبدو أقرب إلى منطقة رمادية طويلة الأمد: برنامج متقدم بلا قنبلة معلنة، وأزمة قابلة للإدارة دون انفجار كبير أو تسوية نهائية.
كما أن حرب أوكرانيا أضافت بعدًا جديدًا للعلاقة بين موسكو وطهران. فبعد أن كانت إيران لسنوات تعتمد على روسيا في مجالات التكنولوجيا النووية والدعم السياسي، شهدت السنوات الأخيرة نمطًا أكثر تعقيدًا من الاعتماد المتبادل. فقد برز التعاون العسكري بين البلدين بصورة أوضح، خاصة في مجالات الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الدفاعية والالتفاف على العقوبات الغربية. ولهذا لم تعد العلاقة مجرد علاقة راعٍ وشريك أصغر، بل أصبحت علاقة تستفيد فيها موسكو أيضًا من بعض القدرات الإيرانية، وهو ما عزز أهمية طهران في الحسابات الروسية خلال السنوات الأخيرة.
الصين: النفط قبل النووي
إذا كانت روسيا قد بنت نفوذها عبر الملف النووي، فإن الصين بنت نفوذها عبر الاقتصاد. فخلال سنوات العقوبات الأمريكية أصبحت الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وتحولت عمليًا إلى الرئة الاقتصادية التي تنفست منها طهران في مواجهة الضغوط الغربية.
وفي عام 2021 وقعت الصين وإيران اتفاقية تعاون استراتيجي لمدة خمسة وعشرين عامًا، شملت مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار.
وبالنسبة لبكين، لا تكمن أهمية إيران في نفطها فقط، بل في موقعها الجغرافي أيضًا. فإيران تقع عند تقاطع الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز وتركيا، وتشكل جزءًا مهمًا من الرؤية الصينية لإعادة ربط آسيا بأوروبا عبر شبكات التجارة والطاقة.
ولهذا تحتل إيران موقعًا مهمًا في الحسابات الاقتصادية الصينية، بوصفها جزءًا من شبكة أوسع تربط آسيا بالأسواق والممرات التجارية الكبرى. بل يمكن القول إن كل برميل نفط اشترته الصين من إيران خلال سنوات العقوبات لم يكن مجرد صفقة تجارية، بل ساهم بصورة غير مباشرة في تعزيز قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود.
لماذا تختلف الصين عن روسيا؟
هنا يظهر الفرق الجوهري، فالصين استفادت من الاندماج في الاقتصاد العالمي، وصعدت من داخل النظام التجاري الدولي، ولذلك فهي ترى الاستقرار والتجارة والطاقة عناصر أساسية في بناء نفوذها. أما روسيا، فهي وريثة قوة عظمى خاضت الحرب الباردة وما زالت تنظر إلى العالم من خلال عدسة التوازنات العسكرية والصراعات الجيوسياسية.
ومن هنا يختلف موقع إيران في حسابات الطرفين. فبالنسبة للصين، ترتبط أهمية طهران بموقعها داخل شبكات التجارة والطاقة العابرة للقارات، بينما ترتبط أهميتها بالنسبة لروسيا بملفات النفوذ والتوازنات الدولية التي تشكل جزءًا من تنافسها المستمر مع الغرب.
الحرب الأخيرة وحدود التحالف
كشفت الحرب الأخيرة على إيران حقيقة مهمة، فروسيا والصين لم تدخلا الحرب عسكريًا إلى جانب طهران، لكنهما لم تقفا على الحياد أيضًا.
فالصين واصلت دعمها السياسي والدبلوماسي ورفضت التصعيد العسكري الذي يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، أما روسيا فوفرت غطاءً سياسيًا واضحًا، وواصلت الدفاع عن الموقف الإيراني داخل المؤسسات الدولية.
ومن منظور العلاقات الدولية، لا تُقاس المشاركة بالحضور العسكري فقط، فالدعم الاقتصادي الذي يسمح باستمرار تدفق الموارد، والدعم السياسي الذي يمنع العزلة الدولية، والدعم التقني الذي يحافظ على برامج استراتيجية حساسة، كلها أشكال من أشكال الإسناد غير المباشر.
ولو لم تستمر الصين في شراء النفط الإيراني خلال سنوات العقوبات، ولو لم تستمر روسيا في توفير الغطاء السياسي والنووي داخل المؤسسات الدولية، لكانت قدرة إيران على الصمود أقل بكثير.
كما كشفت الحرب أهمية بحر قزوين باعتباره أحد العناصر الجيوسياسية التي لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي يحظى به الخليج أو مضيق هرمز. فبينما تركزت الضغوط العسكرية والاقتصادية حول الممرات الجنوبية، احتفظت إيران بممر شمالي يربطها بروسيا وآسيا الوسطى عبر شبكة من الموانئ وخطوط النقل والتجارة. ولم يكن هذا الممر بديلًا عن الخليج من حيث الحجم والأهمية الاقتصادية، لكنه وفر لطهران متنفسًا استراتيجيًا ساعدها على الحفاظ على جزء من حركة التجارة والتعاون اللوجستي مع موسكو في وقت تعرضت فيه الممرات الجنوبية لضغوط غير مسبوقة.
وفي المقابل، أبرزت الحرب حدود القدرة الأمريكية على التعامل مع هذا الفضاء الجغرافي بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع الخليج أو البحر الأحمر. فبينما تستطيع الولايات المتحدة نشر حاملات الطائرات والقوات البحرية وفرض ضغوط مباشرة على الممرات المفتوحة، فإن بحر قزوين يبقى بحرًا مغلقًا خارج نطاق الهيمنة البحرية الأمريكية المباشرة. ولهذا اتجهت واشنطن إلى مراقبة الممرات اللوجستية وشبكات الإمداد المرتبطة بالتعاون الروسي الإيراني، ومحاولة التأثير عليها بصورة غير مباشرة بدلًا من الحضور العسكري المباشر.
ولهذا اكتسب بحر قزوين أهمية إضافية خلال الحرب، ليس لأنه خارج الرصد الأمريكي، بل لأنه من المناطق التي يصعب فيها ترجمة التفوق البحري الأمريكي إلى حضور مباشر أو ضغط مستمر.
ولهذا يمكن القول إن موسكو وبكين لم تحاربا نيابة عن إيران، لكنهما ساهمتا في منع عزلها الكامل سياسيًا واقتصاديًا، وهو ما شكل أحد عناصر صمود النظام الإيراني خلال الأزمات المتعاقبة.
السؤال الأهم: ماذا لو اندمجت إيران في الاقتصاد العالمي؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي قد يحدد مستقبل العلاقات الثلاثية خلال العقود المقبلة: ماذا لو نجحت إيران في الاندماج الكامل داخل المنظومة الاقتصادية الدولية؟
بالنسبة للصين، سيكون ذلك مكسبًا في جانب وخسارة في جانب آخر. فمن جهة، ستستفيد بكين من إيران أكثر استقرارًا وانفتاحًا، ومن بنية تحتية أقوى، ومن فرص استثمار وتجارية أكبر، لكن من جهة أخرى، ستفقد بعض المزايا التي منحتها لها العقوبات، مثل القدرة على شراء النفط الإيراني بشروط تفضيلية، كما ستواجه منافسة أوروبية وآسيوية أوسع داخل السوق الإيرانية.
أما بالنسبة لروسيا، فسيكون اندماج إيران أكثر حساسية. فكلما اقتربت إيران من الاقتصاد العالمي والمؤسسات الدولية، تراجع اعتمادها على موسكو سياسيًا وتقنيًا. كما أن عودة إيران القوية إلى أسواق النفط والغاز قد تخلق منافسًا إضافيًا لروسيا في بعض الأسواق العالمية.
قد لا تقتصر تداعيات أي تسوية مستقبلية على الملف النووي أو العقوبات، بل قد تمتد إلى طبيعة الدولة الإيرانية نفسها وكيفية تفاعلها مع النظام الدولي.
ولهذا تبدو الصين أكثر استعدادًا للتعامل مع إيران مندمجة اقتصاديًا، بينما تبدو روسيا أكثر استفادة من بقاء إيران مستقلة عن الغرب لكنها غير مندمجة بالكامل معه.
لكن الاندماج المحتمل لإيران في الاقتصاد العالمي، إذا حدث يومًا، لن يكون مجرد تحول اقتصادي أو تجاري، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الاندماج العميق في المنظومة الدولية غالبًا ما يفرض ضغوطًا داخلية لإعادة توزيع مراكز القوة وتعديل بعض البنى السياسية والمؤسسية. ولهذا قد لا تقتصر تداعيات أي تسوية مستقبلية على الملف النووي أو العقوبات، بل قد تمتد إلى طبيعة الدولة الإيرانية نفسها وكيفية تفاعلها مع النظام الدولي. ومن هنا قد يصبح الجدل داخل إيران مستقبلًا أقل ارتباطًا بمستوى التخصيب النووي أو حجم العقوبات، وأكثر ارتباطًا بالسؤال الأعمق: كيف يمكن التوفيق بين متطلبات الاندماج الدولي وبين الحفاظ على البنية السياسية التي تشكلت بعد ثورة 1979؟
إيران بين المصالح المتقاطعة
وربما تكشف هذه الصورة أن الحديث عن محور واحد متجانس بين الصين وروسيا وإيران يبقى تبسيطًا لا يعكس تعقيد المصالح الفعلية بين الأطراف الثلاثة. فالصين ترى في إيران شريكًا اقتصاديًا مهمًا داخل شبكات التجارة والطاقة العالمية. أما روسيا فترى فيها ورقة استراتيجية تساعد على إعادة تشكيل التوازنات الدولية ومنع تشكل نظام عالمي أحادي القطبية.
أما إيران نفسها، فتحاول الاستفادة من الطرفين معًا. فهي تحتاج الصين كي تتنفس اقتصاديًا، وتحتاج روسيا كي تحافظ على موقعها داخل معادلات القوة والملف النووي.
ولهذا لا تقوم العلاقة بين الأطراف الثلاثة على التطابق الكامل في المصالح، بل على تقاطع مصالح متغير تحكمه التحولات الدولية المستمرة. وربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل تقف الصين وروسيا مع إيران؟ بل: إلى أي مدى تحتاج كل من بكين وموسكو إلى بقاء إيران على الصورة التي هي عليها الآن؟ وهل سيبقى هذا التوازن قائمًا إذا اندمجت إيران يومًا ما في الاقتصاد العالمي بصورة كاملة؟
وإذا حدث ذلك، فلن يقتصر التغيير على موقع إيران وحدها، بل سيمتد إلى شكل العلاقات التي نسجتها مع كل من موسكو وبكين خلال العقود الماضية، وربما إلى بعض التوازنات التي قامت على هذه العلاقات أيضًا.







