د. أيمن نور يكتب: التصنيع الزراعي… القيمة المضافة الغائبة مصر الممكنة 2030 (22) الزراعة والغذاء والمياه (7)

من أكثر المفارقات التي استوقفتني خلال سنوات العمل السياسي والبرلماني، أن مصر التي عُرفت تاريخيًا بوصفها دولة زراعية كبرى، ما زالت تحصل في كثير من الأحيان على الجزء الأصغر من القيمة الاقتصادية التي تنتجها أرضها. فقد كنا ننشغل دائمًا بسؤال: كم نزرع؟ بينما كان السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا نفعل بما نزرع؟ وكيف نحول المحصول من مادة خام إلى ثروة حقيقية تخلق فرص العمل والدخل والنمو؟
خلال زيارات عديدة لمشروعات زراعية وصناعية داخل مصر وخارجها، أدركت أن الفارق بين دولة زراعية عادية ودولة زراعية متقدمة لا يكمن فقط في حجم الإنتاج. الفارق الحقيقي يبدأ بعد الحصاد. فالفدان الذي ينتج طنًا من الطماطم أو البرتقال أو التمور يمكن أن يحقق عائدًا محدودًا إذا بيع في صورته الخام، لكنه قد يحقق عدة أضعاف هذا العائد إذا دخل في سلسلة من التصنيع والتعبئة والتغليف والتسويق والتصدير.
لهذا السبب لم تعد الزراعة في الاقتصاد الحديث مجرد نشاط إنتاجي مرتبط بالأرض والمياه والمزارع. أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع تضم الصناعة والنقل والتجارة والبحث العلمي والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية. وكلما كانت هذه الحلقات مترابطة وقوية ارتفعت القيمة المضافة وارتفع معها العائد على الاقتصاد الوطني.
حين ننظر إلى تجارب دول مثل هولندا أو إسبانيا أو تركيا أو المغرب، نجد أن نجاحها الزراعي لم يكن نتيجة وفرة الأراضي فقط، بل نتيجة قدرتها على بناء سلاسل قيمة متكاملة. هذه الدول لا تكتفي بإنتاج المحصول، بل تضيف إليه مراحل متعددة من التصنيع والتطوير والتسويق. ولذلك تحقق من كل طن من الإنتاج الزراعي عائدًا يفوق بكثير ما تحققه دول أخرى تمتلك ظروفًا طبيعية مشابهة.
مصر تمتلك في هذا المجال إمكانات هائلة. لدينا إنتاج ضخم من الخضر والفاكهة، ولدينا ثروة متميزة من التمور والنباتات الطبية والعطرية، ولدينا موقع جغرافي قريب من أسواق أوروبا والعالم العربي وأفريقيا. كما نمتلك شبكة متطورة نسبيًا من الموانئ والطرق مقارنة بما كان متاحًا قبل سنوات. لكن هذه المزايا ما زالت بحاجة إلى رؤية متكاملة تحولها إلى قوة اقتصادية حقيقية.
أتذكر خلال مناقشات اقتصادية عديدة أن قضية التصنيع الزراعي كانت دائمًا تحظى بإجماع واسع من حيث المبدأ. الجميع كان يتفق على أهميتها، لكن التنفيذ ظل أقل كثيرًا من الطموحات. والنتيجة أن جزءًا كبيرًا من المحاصيل المصرية يغادر الحقل دون أن يمر بمراحل التصنيع الكافية، بينما تذهب القيمة المضافة الأكبر إلى أسواق وشركات أخرى خارج سلسلة الإنتاج المحلية.
التمور تمثل مثالًا واضحًا على ذلك. فمصر تعد من أكبر المنتجين عالميًا، لكن حجم العائد الاقتصادي ما زال أقل كثيرًا من الإمكانات المتاحة. السبب لا يعود إلى ضعف الإنتاج، بل إلى محدودية التصنيع المتقدم والتعبئة الحديثة والعلامات التجارية القادرة على المنافسة عالميًا. وما ينطبق على التمور ينطبق بدرجات مختلفة على عدد كبير من المنتجات الزراعية الأخرى.
كما أن التصنيع الزراعي لا يخدم التصدير فقط، بل يخدم الأمن الغذائي نفسه. فوجود صناعات غذائية قوية يسمح بتقليل الفاقد الزراعي، وإطالة العمر التخزيني للمنتجات، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الأسواق. وفي كثير من الأحيان يكون أفضل علاج لفائض الإنتاج هو وجود صناعة قادرة على استيعابه وتحويله إلى منتجات ذات قيمة أعلى.
خلال زيارات ميدانية متعددة لمحافظات زراعية مختلفة، كان يتكرر أمامي مشهد واحد بصور مختلفة. مزارع يشكو من انهيار أسعار محصوله بسبب زيادة الإنتاج، ثم أجد المستهلك في المدينة يشكو من ارتفاع الأسعار في الوقت نفسه. وبين الطرفين تضيع القيمة بسبب ضعف التخزين أو محدودية التصنيع أو سوء التنظيم التسويقي. وهذه المفارقة تكشف أن المشكلة ليست دائمًا في حجم الإنتاج، بل في إدارة ما بعد الإنتاج.
مصر الممكنة تحتاج إلى أن تنظر إلى الزراعة باعتبارها مدخلًا للتصنيع لا قطاعًا منفصلًا عنه. فكل محافظة زراعية كبرى ينبغي أن ترتبط بصناعات تتناسب مع طبيعة إنتاجها. المناطق الغنية بالفاكهة تحتاج إلى صناعات العصائر والمركزات والتجفيف. ومناطق التمور تحتاج إلى صناعات غذائية وتصديرية متخصصة. ومناطق الإنتاج الحيواني تحتاج إلى صناعات مرتبطة بالألبان واللحوم والأعلاف.
ومن المقترحات التي أراها ضرورية إنشاء مناطق صناعية زراعية متخصصة بالقرب من مناطق الإنتاج الكبرى. فكلما اقترب المصنع من الحقل انخفضت تكاليف النقل، وتراجعت نسبة الفاقد، وارتفعت كفاءة التشغيل. وقد أثبتت التجارب الدولية أن هذا النموذج أكثر قدرة على تحقيق التنمية المحلية وخلق فرص العمل داخل المجتمعات الريفية.
كما أقترح إعداد خريطة قومية لسلاسل القيمة الزراعية، تتضمن تحديد المنتجات ذات الأولوية، وحجم الفجوات الصناعية المرتبطة بها، والأسواق المحلية والخارجية المستهدفة، والفرص الاستثمارية المتاحة في كل محافظة. فالتخطيط العلمي الدقيق يظل الشرط الأول لتحويل الإمكانات إلى نتائج.
التمويل يمثل عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة. فكثير من المشروعات الصغيرة والمتوسطة القادرة على إحداث نقلة في التصنيع الزراعي تعاني من صعوبات في التمويل أو الإجراءات أو التسويق. بينما تؤكد التجارب الناجحة أن هذه المشروعات تحديدًا هي التي تخلق أكبر عدد من فرص العمل وأكثرها استدامة.
التعليم الفني والتدريب المهني يجب أن يكونا جزءًا من هذه الرؤية كذلك. فالصناعات الغذائية الحديثة تحتاج إلى كوادر متخصصة في الجودة وسلامة الغذاء والتعبئة والتغليف والتسويق والإدارة. ولا يمكن الحديث عن قطاع تنافسي دون استثمار حقيقي في الإنسان القادر على تشغيله وتطويره.
كما أن بناء علامة تجارية مصرية قوية أصبح ضرورة اقتصادية. فكثير من المنتجات المصرية تتمتع بجودة عالية، لكنها لا تحصل دائمًا على المكانة التي تستحقها في الأسواق العالمية. والسبب أن القيمة لا يصنعها المنتج وحده، بل تصنعها أيضًا السمعة والعلامة التجارية والثقة المتراكمة لدى المستهلك.
ومن واقع الخبرة السياسية أرى أن أحد أسباب بطء التقدم في هذا الملف هو تشتت المسؤوليات بين جهات متعددة. ولهذا فإن إنشاء مجلس وطني للتصنيع الزراعي وسلاسل القيمة يمكن أن يكون خطوة مهمة لتوحيد الرؤية وتنسيق الجهود ومتابعة التنفيذ بصورة مستمرة.
مصر الممكنة التي نسعى إليها ليست مصر التي تزرع أكثر فقط، بل مصر التي تحقق من كل فدان قيمة أكبر. مصر التي تحول الإنتاج الزراعي إلى صناعة، والصناعة إلى صادرات، والصادرات إلى فرص عمل ونمو اقتصادي مستدام. فالثروة الحقيقية لا تتولد عند الحصاد وحده، بل تتولد عندما ننجح في تحويل ما تنتجه الأرض إلى قيمة اقتصادية متراكمة.
ولهذا فإن التصنيع الزراعي ليس ملفًا ثانويًا في مشروع النهضة الزراعية المصرية، بل هو الحلقة التي تربط بين الأرض والمصنع والسوق. وهو الجسر الذي يمكن أن تعبر من خلاله الزراعة المصرية من مرحلة الإنتاج التقليدي إلى مرحلة الاقتصاد الزراعي الحديث القادر على المنافسة وصناعة المستقبل.
الحلقة القادمة:
مصر الخضراء 2030… رؤية للمستقبل







