نظام إيران يوسع دائرة القمع ضد النساء بالرقابة الرقمية والاعتقالات التعسفية

تواجه النساء في إيران موجة تصعيد أمني غير مسبوقة تواصلت لأكثر من ثلاث سنوات منذ اندلاع انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في عام 2022. تأتي هذه الحملة في أعقاب اعتقال جينا أميني وتعذيبها حتى الموت، وهي الواقعة التي أشعلت غضباً شعبياً واسعاً كشف عن تراكمات القمع ضد المواطنين. تتبع السلطات في إيران استراتيجية ممنهجة لتقييد الحريات الشخصية والمهنية والأكاديمية، متجاوزة الوسائل الميدانية التقليدية إلى توظيف تقنيات متطورة في الرقابة الرقمية لفرض السيطرة المطلقة على المجتمع.
تؤكد التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية وبعثة الأمم المتحدة الدولية لتقصي الحقائق بشأن إيران أن الانتهاكات المرتكبة ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، حيث شملت أساليب القمع الموثقة التعذيب والاغتصاب والقتل العمد بحق المتظاهرين. سجلت الحقائق مقتل المئات واعتقال عشرات الآلاف، بمن فيهم الأطفال والنساء الشابات، الذين تعرضوا لشتى صنوف العنف الجنسي والاعتقالات التعسفية، في محاولة واضحة من قبل السلطات الإيرانية لكسر إرادة النساء وإجبارهن على الانصياع لسياسات الدولة القمعية في التعليم والعمل والفضاء العام.
تشهد المدن الكبرى مثل طهران ومشهد وشيراز وتبريز طوال عام 2024 تحولاً جذرياً في أساليب الرقابة، حيث جمعت السلطات بين الوجود الأمني الميداني والترصد الرقمي. توسع استخدام أنظمة التعرف على الوجوه والكاميرات الذكية التي نُصبت في الطرق العامة وداخل الجامعات، بالإضافة إلى تطبيق “ناظر” المخصص للإبلاغ عن النساء وسياراتهن. لم تتوقف حدة المراقبة عند حدود الشارع، بل امتدت لتشمل سيارات الأجرة وسيارات الإسعاف، مع إرسال تهديدات مباشرة للسائقات اللواتي يرفضن الحجاب الإلزامي وإغلاق المحال التجارية التي لا تلتزم بالقيود الإدارية الصارمة.
تعتبر الجامعات، ومنها جامعة طهران، وجامعة شريف للتكنولوجيا، وجامعة العلامة الطباطبائي، وجامعة بهشتي، بؤراً لاستهداف الطالبات. تخضع هذه الصروح العلمية لتحقيقات انضباطية مكثفة وعمليات فصل تعسفي للطلاب المشاركين في الحراك، مع تفعيل أنظمة التعرف على الوجوه عند البوابات لمنع الطالبات المعارضات من ممارسة حقهن في التعليم. يأتي هذا في وقت تستمر فيه السلطات بملاحقة الصحفيات والمحاميات والمدافعات عن حقوق الإنسان، كما هو الحال مع نيلوفر حامدي وإلهه محمدي، فضلاً عن استمرار سجن الناشطة الحائزة على جائزة نوبل للسلام نرجس محمدي التي تُحرم من الرعاية الطبية اللازمة رغم تدهور حالتها الصحية.
تتصاعد الانتهاكات داخل السجون الإيرانية لتشمل حالات موغلة في القسوة، حيث لا تزال زينب جلاليان، التي اعتقلت عام 2008، تواجه ظروفاً صحية بالغة الخطورة مع نقلها المستمر إلى سجون نائية مثل سجن يزد. ويستخدم النظام أحكام الإعدام والاعتقال كأداة ترهيب ضد الناشطات مثل ريشة مرادي وبخشان عزيزي. بالتوازي مع هذا القمع الأمني، يعاني المجتمع من تضخم مالي حاد وانخفاض قياسي في قيمة العملة، مما أدى لارتفاع معدلات البطالة بين النساء وتوسع العمل غير الرسمي في ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة خاصة في الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن الكبرى.
يتفاقم هذا التمييز البنيوي في مناطق شرق كردستان، حيث تعاني النساء في مدن أورمية وسنه وكرمانشان ومريوان من ضغوط أمنية واقتصادية مضاعفة. تضطر النساء العاملات في مهنة الكاسبات لتحمل أعباء جسدية شاقة عبر الطرق الجبلية الحدودية نتيجة الفقر والبطالة الناجمين عن سياسات النظام. في الوقت نفسه، يعاني إقليم سيستان وبلوشستان من ضعف الخدمات الحكومية والتمييز القومي الذي يمنع النساء من الوصول إلى الحقوق الأساسية في الصحة والتعليم.
أدى تقييد الفضاء الرقمي وحجب الإنترنت إلى ضرب مصادر الرزق المستقلة لآلاف النساء اللواتي يعتمدن على المشاريع الإلكترونية الصغيرة والتجارة عبر الإنترنت. تسعى السلطات من خلال هذه الإجراءات إلى خنق أي صوت نسوي مستقل، حيث أصبحت حياة النساء في إيران اليوم مرتبطة بشكل مباشر بالسياسات الأمنية المتشددة والأزمات الاقتصادية الخانقة، مما يعكس تصميماً واضحاً من النظام على إسقاط أي دور فاعل للمرأة في الحراك الاجتماعي العام، في ظل أجواء من التوتر الإقليمي المتزايد.







