شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: “ورقة من مذكراتي” أزمة الصحة النفسية في مصر.. براءة تأخرت ربع قرن

للذاكرة عدالة خاصة لا تشبه عدالة المحاكم ولا أحكام السياسة، قد تتأخر كثيرًا، وقد تصمت طويلًا، لكنها لا تنسى. وأحيانًا يأتيها شاهد من مكان لم يكن في الحسبان؛ رقم في دراسة، أو سطر في تقرير، أو حقيقة ظلت مختبئة تحت ركام الصخب والإنكار حتى يحين موعد خروجها إلى النور.

قبل أيام، استوقفتني نتائج المسح القومي للصحة النفسية الذي أجرته وزارة الصحة المصرية بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. لم يكن الخبر جديدًا تمامًا، فالمسح أُجري عام 2017، ونُشرت نتائجه قبل سنوات، لكن إعادة تسليط الضوء عليه كانت كافية لكي تفتح في ذاكرتي بابًا ظل مغلقًا ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا.

فجأة وجدت نفسي أعود إلى مطلع الألفية الجديدة، إلى قاعة مجلس الشعب، إلى يوم لم أكن أتصور أن يتحول فيه حديث عن الصحة النفسية للمصريين إلى معركة سياسية كاملة، وأن يصبح نقل إحصاءات منشورة سببًا للمساءلة تحت قبة البرلمان.

يومها تقدمت بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء ووزير الصحة، استندت فيه إلى أرقام ودراسات دولية كانت تشير إلى ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية في المجتمع المصري. لم أتعامل مع الأمر باعتباره قضية طبية مجردة، بل باعتباره قضية اجتماعية ووطنية ترتبط بالضغوط الاقتصادية المتزايدة، والأعباء المعيشية الثقيلة، ومناخ الاحتقان السياسي والاجتماعي الذي كانت تعيشه البلاد آنذاك.

كنت أتصور أن البرلمان هو المكان الطبيعي لمناقشة مثل هذه القضايا، وأن وظيفة النائب هي أن يدق ناقوس الخطر قبل أن تتحول الظواهر إلى أزمات، وأن يشير إلى الجرح قبل أن يتسع. لكن ما حدث بعد ذلك كشف لي أن بعض المجتمعات لا تخاف من المرض بقدر ما تخاف من الحديث عنه.

بعد انتهاء كلمتي خرجت إلى البهو الفرعوني، ذلك المكان الذي يعرفه جيدًا كل من عمل تحت قبة البرلمان. جلست أحتسي فنجانًا من القهوة بين مجموعات النواب المتناثرة وأحاديثهم المتشابكة. وفي أحد أركان المكان كانت هناك سماعة تنقل ما يجري داخل القاعة مباشرة.

وسط الضجيج التقطت أذني اسمي يتردد على نحو لافت. مرة، ثم أخرى، ثم ثالثة. نهضت متعجبًا وعدت إلى القاعة مسرعًا لأعرف ما الذي يحدث.

هناك فوجئت بأن النقاش لم يعد يدور حول الصحة النفسية، ولا حول الأرقام التي استندت إليها، ولا حول مسؤولية الدولة تجاه ملايين المواطنين الذين يعانون في صمت. كان الجدل كله منصبًا على اتهامي أنا. وقف أحد النواب، وكان ضابطًا سابقًا في جهاز أمن الدولة، مطالبًا بإحالتي إلى لجنة القيم، مدعيًا أنني أسأت إلى الشعب المصري وشوهت صورة مصر عندما تحدثت عن ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية.

لم يناقش أحد الأرقام. لم يسأل أحد عن مصادرها. لم يناقش أحد الأسباب التي تدفع مجتمعًا بأكمله إلى هذا المستوى من القلق والاكتئاب والضغوط النفسية. كانت المشكلة كلها أن الحقيقة قيلت بصوت مرتفع.

وأذكر أنني شعرت يومها بدهشة لا تزال ترافقني حتى الآن. كيف يمكن أن يتحول الحديث عن الألم إلى اتهام؟ وكيف يصبح كشف المرض إساءة إلى المريض؟ وكيف يظن البعض أن ستر الجرح يداويه؟

قيل آنذاك إن الرئيس حسني مبارك كان يتابع أحيانًا ما يدور في الجلسات البرلمانية عبر وسيلة نقل مباشرة إلى منزله، ويبدو أن المعلومة وصلته مبتورة أو مجتزأة، فصدر القرار بإحالتي إلى لجنة القيم عبر الدكتور فتحي سرور، رحمه الله. لم يكن الأمر بالنسبة لي قضية شخصية بقدر ما كان تعبيرًا عن ثقافة سياسية كاملة كانت ترى في كشف المشكلة خطرًا أكبر من المشكلة نفسها.

مرت السنوات. تغيرت حكومات وتعاقبت وزارات واختفت أسماء وظهرت أسماء أخرى، لكن الواقعة بقيت عالقة في الذاكرة. ثم جاءت الأيام الأخيرة لتعيدها إلى الحياة بصورة لم أتوقعها.

فالمسح القومي للصحة النفسية، الذي شارك فيه نحو 250 باحثًا وأشرف عليه عشرات المتخصصين وشمل ما يقرب من خمسة وعشرين ألف أسرة مصرية من مختلف المحافظات والطبقات الاجتماعية، كشف أن نحو ربع المصريين يعانون من اضطرابات نفسية. أي أن واحدًا من كل أربعة مواطنين يواجه شكلًا من أشكال المعاناة النفسية.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد أظهرت النتائج أن النسبة نفسها تقريبًا تتعلق بحالات ممتدة ومستقرة وليست مجرد ضغوط عابرة أو أزمات مؤقتة. وتصدر الاكتئاب قائمة الاضطرابات الأكثر انتشارًا، تليه اضطرابات الإدمان وتعاطي المواد المخدرة، بما يعكس حجم الضغوط التي يعيشها قطاع واسع من المجتمع.

والأخطر من نسبة الانتشار نفسها أن الدراسة كشفت عن فجوة علاجية هائلة. ملايين يعانون، بينما لا يحصل على الرعاية والعلاج إلا عدد محدود للغاية. وهنا تتحول القضية من مجرد أرقام إلى مأساة إنسانية حقيقية، لأن خلف كل رقم إنسانًا، وخلف كل نسبة أسرة، وخلف كل حالة حكاية صامتة لا يسمعها أحد.

ما استوقفني أيضًا أن نتائج الدراسة نسفت كثيرًا من الصور النمطية الشائعة. فقد أظهرت أن الاضطرابات النفسية ليست حكرًا على المدن الكبرى، ولا على فئات اجتماعية بعينها، ولا على أنماط حياة معينة. بل إن انتشارها يرتبط بصورة وثيقة بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية ومستويات الدخل وظروف المعيشة. وهي نتيجة لا تحتاج إلى كثير من الشرح لمن يعرف كيف يعيش ملايين المصريين تحت وطأة القلق اليومي والخوف من المستقبل وصعوبة الحياة.

لقد تعلمت من العمل العام ومن الاقتراب المباشر من الناس أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده. يحتاج إلى الأمل كما يحتاج إلى الطعام، ويحتاج إلى الكرامة كما يحتاج إلى الدواء، ويحتاج إلى الشعور بالأمان كما يحتاج إلى سقف يأويه. وعندما تتآكل هذه المعاني جميعًا، يصبح من الطبيعي أن تدفع المجتمعات الثمن من صحتها النفسية قبل أي شيء آخر.

لم يكن حديثي قبل ربع قرن عن المرض النفسي حديثًا عن ضعف المصريين، بل كان حديثًا عن الضغوط التي يتحملونها. لم يكن انتقاصًا من هذا الشعب، بل دفاعًا عنه. فالشعوب العظيمة ليست تلك التي تخلو من الأزمات، وإنما تلك التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بها ومواجهتها.

واليوم، وأنا أقرأ هذه الأرقام الرسمية، لا أشعر بأنني انتصرت في معركة قديمة، ولا بأن الزمن جاء ليقتص من أحد. كل ما أشعر به هو قدر من الأسى لأن سنوات طويلة ضاعت بين الإنكار والتجاهل، بينما كانت الأزمة تكبر بصمت داخل البيوت والقلوب والعقول.

لقد علمتني تلك الواقعة أن بعض السلطات تخشى الحقيقة لأنها تظن أن الاعتراف بها يضعفها، بينما الحقيقة أن ما يضعف الدول حقًا هو إنكار الواقع. فالمرض لا يختفي لأننا لا نتحدث عنه، والأزمات لا تتلاشى لأننا نخفيها، والأرقام لا تفقد دلالتها لأننا نغضب منها.

بعد ما يقرب من ربع قرن، جاءت الدراسات الرسمية نفسها لتقول ما قيل تحت القبة يومًا فقوبل بالهجوم والاتهام.
لم أكن أسيء إلى مصر.
كنت أحاول أن أدافع عن حق المصريين في أن يُرى وجعهم، وأن يُسمع صوتهم، وأن يُعامل ألمهم بوصفه قضية وطنية تستحق الاهتمام لا تهمة تستحق العقاب.
وربما كانت هذه هي البراءة الأهم.
براءة لم تصدرها لجنة، ولم يكتبها قاضٍ، ولم تحمل توقيع مسؤول.
بل كتبها الزمن نفسه… بعد ربع قرن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى