المعهد المصري للدراسات : بيتر ثيل إلى الأرجنتين: أجندة ما فوق الدولة والنزوع للنفوذ من خلال نظام عالمي الجديد

أثار انتقال الملياردير الأمريكي بيتر ثيل إلى الأرجنتين موجة واسعة من التساؤلات حول دوافع هذه الخطوة وتوقيتها ودلالاتها السياسية والاقتصادية. فالرجل ليس مجرد مستثمر تقني عادي، بل أحد أبرز وجوه وادي السيليكون، والمؤسس المشارك في “باي بال”، ومن أوائل المستثمرين في “فيسبوك”، كما يرتبط اسمه بشركة “بالانتير” ذات الحضور العميق في عقود الأمن والدفاع الأمريكية. لذلك بدا انتقاله إلى بوينس آيرس أكثر من مجرد قرار شخصي أو رغبة في تغيير مكان الإقامة؛ بل خطوة تحمل معنى أوسع يتعلق بعلاقة النخب المالية الكبرى بالدولة، والضرائب، والجنسية، وفكرة “الخروج” من الأنظمة السياسية التي لم تعد تلائم مصالحها.
بحسب المعطيات المتداولة، اشترى ثيل قصرًا تاريخيًا في أحد أرقى أحياء العاصمة الأرجنتينية، ونقل عائلته إلى هناك، بما في ذلك “زوجه”، حيث إن المعروف عن ثيل علنًا أنه مثليّ، كما سُجل أبناؤه في مدارس محلية. تزامن ذلك مع لقاءات متعددة جمعته بالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي وعدد من وزرائه، وهو ما فتح باب التكهنات حول احتمال حصوله على الجنسية أو الإقامة ضمن إطار استثماري جديد طرحته الأرجنتين لجذب الأثرياء والمستثمرين. ورغم نفي الرئاسة الأرجنتينية وجود عرض رسمي بمنحه الجنسية، فإن الرسالة السياسية كانت واضحة: الأرجنتين في عهد ميلي تريد تقديم نفسها كملاذ جديد للأثرياء الهاربين من الضرائب المرتفعة والقيود التنظيمية في بلدانهم.
غير أن قصة ثيل لا تبدو قصة “هروب” تقليدية. فبينما ينتقل هو شخصيًا إلى الأرجنتين، تبقى أمواله واستثماراته الرئيسية داخل النظام الأمريكي، بل تزداد ارتباطًا به. فشركة “بالانتير”، التي يُعد ثيل أحد أبرز رموزها، تحقق إيرادات ضخمة من الحكومة الأمريكية، خصوصًا في مجالات الأمن والدفاع والذكاء الاصطناعي العسكري. وفي الوقت نفسه، يواصل صندوقه الاستثماري دعم شركات دفاعية أمريكية مثل “أندوريل”، التي حصلت على عقود ضخمة من الجيش الأمريكي وتبني منشآت صناعية عسكرية داخل الولايات المتحدة.
هنا تظهر المفارقة الأساسية: ثيل قد يغادر أمريكا بجسده، لكنه لا يغادرها برأسماله. بل على العكس، يصبح أكثر اندماجًا في بنيتها الأمنية والعسكرية. لذلك لا يمكن فهم انتقاله إلى الأرجنتين باعتباره قطيعة مع الولايات المتحدة، بل كنوع من التحوط الشخصي والقانوني. فهو لا يريد أن يخسر أرباح النظام الأمريكي ولا عقوده ولا نفوذه داخله، لكنه في الوقت نفسه يريد امتلاك مخارج بديلة إذا تغيرت القوانين أو الضرائب أو المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة.
أحد الدوافع المركزية لهذه الخطوة يرتبط بالضرائب. فقد تزامن خروج ثيل من كاليفورنيا مع مبادرة ضريبية كانت تستهدف أصحاب الثروات الضخمة، عبر فرض ضريبة قدرها 5% على صافي الثروة فوق مليار دولار. وبالنسبة إلى ملياردير بحجم ثيل، فإن البقاء في الولاية في توقيت معين كان يمكن أن يفتح الباب أمام التزامات ضريبية هائلة تقدر بالمليارات. من هنا يصبح الانتقال إلى الأرجنتين، أو إلى أي ولاية قضائية أقل عبئًا، جزءًا من استراتيجية مالية مدروسة، لا مجرد قرار عاطفي أو سياسي.
لكن الأرجنتين ليست المحطة الأولى في هذا النمط من التفكير. فثيل يحمل الجنسية الأمريكية، ولديه ارتباطات بجنسيات أو إقامات أخرى، منها ألمانيا التي ولد بها، ونيوزيلندا، كما وردت تقارير عن اهتمامه بالحصول على جنسية مالطا. وهذا يكشف عن عقلية جديدة لدى فئة من فاحشي الثراء: لم تعد الجنسية بالنسبة لهم هوية ثابتة أو انتماءً نهائيًا، بل أصبحت جزءًا من محفظة استثمارية. كما يوزع المستثمر أمواله بين الأسهم والعقارات والسندات، يوزع هؤلاء وجودهم القانوني بين أكثر من دولة، بحيث لا يكونون أسرى قرار سياسي أو ضريبي واحد.
اختيار الأرجنتين تحديدًا ليس مصادفة. فخافيير ميلي يمثل تجربة ليبرتارية صريحة في الحكم، تقوم على تقليص دور الدولة بشدة، خفض الإنفاق، تحرير الاقتصاد، مهاجمة الضرائب، والدفع باتجاه نموذج أكثر قربًا من أفكار السوق المطلقة. وهذه الأفكار قريبة جدًا من الرؤية الفكرية التي دعمها ثيل لسنوات، خصوصًا فلسفة “الخروج بدل الصوت”، أي أن الإنسان لا يحاول إصلاح النظام من الداخل، بل يغادره ويبني بديلًا خارجه. لذلك تبدو الأرجنتين بالنسبة إلى ثيل مختبرًا سياسيًا واقتصاديًا حيًا، لا مجرد بلد للإقامة.
مع ذلك، تحمل هذه القصة بُعدًا أكثر خطورة من سيرة رجل ثري يبحث عن الضرائب الأقل. فهي تكشف عن تحول أعمق في علاقة النخب المالية بالدولة الوطنية. فالدولة بالنسبة للمواطن العادي لا تزال الإطار الوحيد تقريبًا للحياة: يدفع ضرائبها، يخضع لقوانينها، ويتحمل نتائج أزماتها السياسية والاقتصادية. أما المليارديرات، فيملكون القدرة على شراء البدائل: بيت في بلد، جنسية في بلد آخر، إقامة في دولة ثالثة، واستثمارات موزعة عالميًا، وبذلك يصبحون أقل خضوعًا لمصير الدولة التي صنعت ثرواتهم.
المشكلة أن هؤلاء لا يغادرون النظام فعلًا. فهم لا يقطعون صلتهم بالدولة التي تمنحهم العقود والحماية والأسواق، بل يحتفظون بالفوائد ويتجنبون الأعباء. في حالة ثيل، يستفيد رأس المال من الدولة الأمريكية، خصوصًا في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن، بينما يسعى صاحبه إلى تخفيف تعرضه الشخصي والقانوني لقراراتها الضريبية أو السياسية. هذه ليست قطيعة مع الدولة، بل علاقة انتقائية معها: أخذ المنافع وتقليل الالتزامات.
ولهذا فإن انتقال ثيل إلى الأرجنتين لا يخصه وحده. إنه مثال على اتجاه عالمي متصاعد بين الأثرياء، حيث تتحول الإقامة والجنسية إلى أدوات تحوط. فالأغنياء لا ينتظرون الأزمات كي يهربوا، بل يبنون مخارجهم مسبقًا. يشترون العقارات، يحصلون على إقامات، يفتحون حسابات، ينقلون عائلاتهم، ويضمنون لأنفسهم حرية الحركة قبل أن تقع الصدمة. أما الطبقات العادية، فلا تمتلك هذه الرفاهية؛ تبقى مرتبطة بعملة واحدة، وسوق عمل واحدة، ونظام ضريبي واحد، وحدود سياسية لا تستطيع تجاوزها بسهولة.
في النهاية، تبدو قصة بيتر ثيل أكبر من خبر عن ملياردير انتقل إلى بوينس آيرس. إنها إشارة إلى عالم جديد تصبح فيه الوطنية بالنسبة إلى أصحاب الثروات الكبرى، خاصة أباطرة التكنولوجيا الجدد، خيارًا قابلًا للتنويع، لا قدرًا ثابتًا. فثيل لم يهرب من أمريكا بالكامل، ولم يتخلَّ عن أرباحها، لكنه اشترى لنفسه حق عدم البقاء محاصرًا داخلها وملتزمًا بقوانينها ونظمها. جسده في الأرجنتين، ورأسماله في قلب الدولة الأمنية الأمريكية، وجوازاته موزعة على أكثر من مسار خارج إطار سيطرة وسيادة أي دولة. وهذه بالضبط هي المفارقة: من يملكون أكثر داخل النظام، هم أنفسهم الأكثر قدرة على الخروج منه عندما تتغير شروط اللعبة، مع الاستمرار في تسخيره لصالحهم.
السؤال المهم هو: هل لثيل وأمثاله أجندة خفية أخرى تتجاوز الدول الوطنية للاضطلاع بالنفوذ العالمي والهيمنة فوق الدولتيه في نظام عالمي جديد؟ وما هي علاقة ذلك بما يظهر من أن بالانتير ليست مجرد شركة تقنية تقليدية، بل مشروعًا سياسيًا بغطاء تكنولوجي، والتي صرح مؤسسها بيتر ثيل سابقًا بأن التكنولوجيا يمكن أن تكون “بديلًا عن السياسة”، وأنه لا يرى توافقًا بين “الحرية والديمقراطية”؛ هذه الرؤية، التي انعكست في دعم ثيل لمشاريع “مدن الشركات” أو “مدن الشركات الناشئة”، وهي كيانات شبه مستقلة تُدار كشركات خاصة بدلًا من أنظمة ديمقراطية تقليدية، تحدث ثيل أن هذا النموذج يمكن أن يطبق في جرينلاند مثلا بعد أن تؤول للولايات المتحدة.
وما علاقة ذلك بالدور الذي قام به ثيل في دعم وتقديم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس لموقعه الحالي؟ وهل ذلك يرتبط بسيطرة بالانتير على البيانات الحكومية الأمريكية، وما تكشف عن السيطرة على البيانات الصحية البريطانية، وهو ما حدا بحكومات وأجهزة مخابراتية غربية في بلدان مثل سويسرا وألمانيا وفرنسا لحظر استخدام برمجيات بالانتير؟ وكذلك عن دور بالانتير في برامج المراقبة والتحكم بالمواطنين، وعن الدور الذي تقوم به في حروب الذكاء الاصطناعي الحديثة، فضلًا عما يتكشف عن الشبكات النخبوية السرية التي أنشأها ثيل، مثل “ديالوج”؟
ملف ينبغي أن يكون تحت المتابعة الدقيقة!
(2/2) انتهى







