توريث الحزبية في مصر: صعود الأبناء لمقاعد الآباء يثير علامات الاستفهام

تشهد الساحة السياسية المصرية في الآونة الأخيرة تحولات هيكلية لافتة داخل عدد من الأحزاب، حيث بات مشهد انتقال المناصب القيادية من الآباء إلى الأبناء يتصدر المشهد الحزبي، مما يفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول طبيعة الديمقراطية الداخلية في هذه الكيانات، ومدى خضوعها لمبدأ التداول الحقيقي للسلطة، أم أنها تحولت إلى مراكز قوى عائلية تتوارث فيها النفوذ والقرار السياسي. إن هذه الظاهرة التي بدأت تطفو على السطح بقوة في عام 2026، تكشف عن تغلغل توريث المواقع القيادية كنمط مستقر بدلاً من الانتخابات التنافسية.
تأتي في مقدمة هذه التحولات، واقعة انتخاب سامح السادات رئيساً لحزب الإصلاح والتنمية، حيث جاء اختباره لهذا المنصب خلفاً لوالده النائب محمد أنور السادات، في خطوة اعتبرها مراقبون تجسيداً لسياسة التوريث الحزبي، حيث استقر الحزب على استمرار العائلة في صدارة المشهد القيادي. هذا التغيير ليس معزولاً، بل يمثل جزءاً من نمط أوسع يتكرر في عدة أحزاب أخرى تتخذ من التنظيم العائلي مرتكزاً لبقائها، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول فرص الكوادر الشابة الأخرى التي لا تنتمي للعائلات المؤسسة في الوصول إلى مقاعد القيادة العليا.
ولا يقتصر الأمر على حزب الإصلاح والتنمية، بل يمتد إلى حزب المحافظين، الذي يشهد توجهاً مشابهاً من خلال بروز إسلام قرطام، عضو مجلس الأمناء وعضو مجلس النواب، وهو نجل أكمل قرطام رئيس حزب المحافظين، حيث يشغل إسلام مواقع مؤثرة داخل هيكل الحزب القيادي، مما يعزز هيمنة العائلة الواحدة على مفاصل الحزب الرئيسية. إن هذا التمركز للأبناء في دوائر صنع القرار داخل الحزب، يقلص من مساحة التنوع الحزبي ويجعل القرارات الحزبية حبيسة الدوائر الأسرية الضيقة، بعيداً عن معايير الكفاءة السياسية أو الانتخابات الديمقراطية التي يفترض أن تحكم الكيانات التي تنشد التغيير في المجتمع.
وفي السياق ذاته، يبرز نموذج حزب إرادة جيل، الذي يعكس بدوره ذات النهج عبر وجود محمد تيسير مطر، الأمين العام لحزب إرادة جيل وعضو مجلس النواب، وهو نجل تيسير مطر رئيس حزب إرادة جيل. إن هذا الجمع بين المناصب القيادية داخل الحزب والموقع النيابي للأبناء خلفاً أو إلى جانب الآباء، يعكس استراتيجية واضحة تهدف إلى تأمين استمرارية النفوذ السياسي للأسر المؤسسة، وهو ما يضعف من مصداقية الحزب في التبشير بالتجديد السياسي، حيث تظل القيادة أسيرة التوريث العائلي الذي يضرب بمبادئ العمل الجماعي عرض الحائط.
كذلك، يظهر اسم مصطفى الشهابي، الأمين المساعد لحزب الجيل، وهو نجل النائب ناجي الشهابي رئيس حزب الجيل، كنموذج إضافي لتكريس التوريث داخل الأحزاب المصرية. هذا المسار الذي يتبعه حزب الجيل يؤكد أن ظاهرة توريث المقاعد القيادية ليست استثناءً، بل أضحت ممارسة متكررة في خريطة الأحزاب السياسية، حيث يجد الأبناء طريقاً ممهداً للوصول إلى أعلى المناصب الحزبية، متجاوزين في ذلك سنوات النضال الحزبي التي قد يحتاجها أي كوادر أخرى للوصول إلى ذات المكانة.
إن هذا التوجه نحو التوريث السياسي يضع الأحزاب المصرية في مأزق حقيقي، ففي الوقت الذي تطالب فيه القوى السياسية بضرورة التجديد وضخ دماء جديدة وتفعيل التداول السلمي للسلطة، نجد أن هذه الأحزاب تكرس ممارسات تبتعد تماماً عن هذه الشعارات. إن تحويل الأحزاب إلى “عزب” سياسية عائلية يقتل روح المنافسة ويطرد الكفاءات الحقيقية التي ترفض العمل في ظل هيمنة الأبناء والآباء. إن الصمت تجاه هذه الممارسات لا يعبر إلا عن رغبة خفية في الحفاظ على امتيازات السلطة الحزبية، وهي ممارسات إن استمرت ستؤدي لا محالة إلى تآكل القاعدة الشعبية لهذه الأحزاب وفقدانها لثقة الشارع المصري، الذي بات يعي جيداً أن التوريث في العمل الحزبي هو الوجه الآخر للجمود السياسي. إن بناء مؤسسات سياسية قوية يتطلب الخروج من عباءة العائلات والرهان على الانتخابات الشفافة والمنافسة العادلة، بعيداً عن توريث المناصب الذي يعيدنا إلى مربعات التخلف السياسي، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لهذا المسار قبل أن تفرغ الأحزاب من جوهرها الديمقراطي تماماً.






