مقالات وآراء

حسام بدراوي يكتب: خيانة المثقفين.. أم استحالة الاستقلال؟

نبهني صديقي الاستاذ عبّد الرحيم علي الي ما نشره الفيلسوف الفرنسي Julien Benda عام ١٩٢٧ في كتابه الشهير “خيانة المثقفين”، والي أنه لم يكن يقصد بالخيانة ما يرمي اليه الناس عادة من خيانة الوطن أو الأمانة، بل خيانة أكثر تعقيدًا وأشد خطورة ، خيانة المثقف للحقيقة.

كان “بندا ” يرى أن وظيفة المثقف ليست أن ينتصر لجماعته، ولا أن يبرر أخطاء قومه أو حزبه أو طائفته، بل أن يكون صوتًا للعقل حين يصمت الجميع، وأن يظل قادرًا على قول “لا” حتى لمن يحبهم، وأن يضع الحقيقة فوق الولاء.

لكن السؤال بعد قرن تقريبًا لم يعد: لماذا يخون المثقفون؟

بل أصبح:

هل يستطيع المثقف أصلًا أن يبقى مستقلاً؟

فالعالم الحديث لا يُكره المثقف على الانحياز، بل يغويه .

لم يعد الاستبداد يحتاج إلى سجون كثيرة، بل إلى جمهور كبير.

لم يعد يحتاج إلى إسكات الأصوات المختلفة، بل إلى مكافأة الأصوات المتشابهة.

كلما اقترب المثقف من الجماعة، ازدادت شهرته.

وكلما ابتعد عنها، ازدادت وحدته،

تلك هي المعضلة.

فالإنسان بطبيعته يبحث عن الانتماء، والمثقف ليس استثناءً.

إنه يحتاج إلى الاعتراف، ويخشى العزلة، ويريد أن يشعر بأنه يقف في صف الخير.

وهنا تبدأ الخيانة الصغيرة.

ليست حين يكذب، بل حين يتوقف عن طرح الأسئلة التي قد تُغضب جماعته.

حين يستبدل سؤال:

“ما الحقيقة؟”

بسؤال:

“ما الذي يخدم القضية التي أؤمن بها؟”

في هذه اللحظة يتحول العقل من أداة للبحث إلى أداة للتبرير.

ويصبح المثقف محاميًا لا باحثًا.

الأخطر من ذلك أن الخيانة لا تُفسد السياسة فقط، بل تُفسد معنى الحقيقة نفسها.

فالعدل يصبح عدلًا إذا خدم جماعتنا.

والحرية تصبح قيمة إذا استفدنا منها.

والنقد يصبح فضيلة إذا وُجّه إلى الآخرين، وخيانة إذا وُجّه إلينا.

وهكذا تُعاد صياغة الأخلاق على أساس الولاء.

لا يعود السؤال:

هل هذا صحيح؟

بل:

من قاله؟

هل هو من جماعتنا أم من خصومنا؟

وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يصبح المثقف ضحية للاستقطاب، بل أحد مهندسيه.

لكن هل الاستقلال الكامل ممكن؟

ربما لا.

فكل إنسان يحمل تحيزاته وذكرياته ومخاوفه وأحلامه.

المثقف ليس كائنًا معلقًا فوق التاريخ، بل إبن زمانه ومجتمعه.

غير أن الفرق بين المثقف الحقيقي وغيره ليس أنه بلا انحياز، بل أنه يعرف انحيازاته ويقاومها ليظل مدافعاً عن الحقيقة.

أن يظل قادرًا على الشك في نفسه.

أن يقبل أن يخسر جمهوره كي يحتفظ بضميره.

أن يتحمل الوحدة حين تصبح الحقيقة أقل شعبية من الوهم.

ربما لم تكن خيانة المثقفين هي المشكلة الكبرى في عصرنا.

المشكلة الأكبر أن المجتمع نفسه لم يعد يطلب من المثقف أن يكون ضميرًا مستقلاً.

بل يريده جنديًا في معركة، أو مؤثرًا على وسائل التواصل، أو متحدثًا باسم القبيلة الفكرية التي ينتمي إليها أو حكومة الدولة التي يعيش فيها.

وحين يرفض هذا الدور، يُتهم بالخيانة.

أما إذا قبله، فقد يكون قد ارتكب الخيانة الحقيقية.

فالحقيقة لا تحتاج إلى مؤمنين بها بقدر ما تحتاج إلى من يملكون الشجاعة للبحث عنها…

حتى لو قادتهم إلى الوقوف وحدهم

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى