شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: المونوريل… ليس خصمًا ولا بطلًا . مصر الممكنة 2030 (24) النقل في مصر الممكنة (1)

قليل من الملفات أثارت في الحياة العامة المصرية من الجدل والانقسام ما أثاره مشروع المونوريل. فمنذ اللحظة الأولى انقسم الناس بين فريق رأى فيه إنجازًا استثنائيًا ونقلة حضارية كبرى، وفريق آخر اعتبره رمزًا لإهدار الموارد وسوء ترتيب الأولويات. وبين الموقفين ضاعت في كثير من الأحيان فرصة النقاش الهادئ الذي يزن الأمور بميزان المصلحة العامة لا بميزان الدعاية أو الخصومة السياسية.

طوال سنوات العمل البرلماني والسياسي تعلمت أن المشروعات الكبرى لا تُقاس بحجمها الهندسي فقط، ولا بعدد الكيلومترات التي تقطعها، ولا بحجم الإنفاق الذي يخصص لها. المعيار الحقيقي لأي مشروع عام هو الإجابة عن ثلاثة أسئلة بسيطة: هل كان ضروريًا؟ وهل جاء في التوقيت المناسب؟ وهل يحقق عائدًا يتناسب مع تكلفته؟

وهذه هي الأسئلة التي يجب أن نطرحها على مشروع المونوريل وغيره من مشروعات النقل الكبرى.

بدايةً ينبغي الاعتراف بأن مصر كانت وما زالت بحاجة إلى تطوير شامل لشبكات النقل الجماعي. فالقاهرة الكبرى وحدها تمثل واحدة من أكثر التجمعات السكانية ازدحامًا في العالم. وملايين الساعات تضيع سنويًا في الزحام. ومليارات الجنيهات تهدر في الوقود والتلوث وانخفاض الإنتاجية. ولهذا فإن أي دولة تفكر في المستقبل لا يمكنها تجاهل الاستثمار في النقل الجماعي الحديث.

لكن الاعتراف بالحاجة إلى تطوير النقل لا يعني تلقائيًا أن كل مشروع يُطرح هو الخيار الأفضل أو الأولوية الأهم. فالدول لا تعمل في فراغ. والموارد دائمًا محدودة. وكل جنيه يذهب إلى مشروع معين يعني بالضرورة أنه لم يذهب إلى مشروع آخر. وهنا تبدأ السياسة العامة الحقيقية، لأن جوهر الإدارة ليس اختيار المشروعات فقط، بل ترتيبها وفقًا لأولويات المجتمع وقدرته الاقتصادية.

حين بدأت الدولة التوسع في مشروعات النقل الجديدة كانت مصر تمر، وما زالت تمر، بظروف اقتصادية معقدة. دين عام يتصاعد، وعجز مزمن في الموازنة، وضغوط على العملة الوطنية، وتحديات معيشية متزايدة تمس حياة ملايين المواطنين. وفي مثل هذه الظروف يصبح من حق المجتمع أن يسأل عن التكلفة والعائد، وأن يناقش الأولويات دون أن يُتهم بمعاداة التنمية أو الوقوف ضد التحديث.

لا أكتب هذه الكلمات من موقع الخصومة مع أي مشروع، ولا من منطلق الرفض المسبق للتكنولوجيا الحديثة. على العكس تمامًا. فمن يتابع كتاباتي وبرامجي السياسية على مدى عقود يدرك أنني كنت دائمًا من دعاة التحديث والتطوير والاستثمار في البنية الأساسية. لكنني كنت دائمًا أؤمن أيضًا بأن التنمية ليست سباقًا في الإنفاق، بل فن ترتيب الأولويات.

المونوريل في جوهره وسيلة نقل متقدمة أثبتت نجاحها في عدد من المدن العالمية. لكنه ليس الوسيلة الوحيدة، وليس بالضرورة الوسيلة الأنسب لكل مدينة أو لكل ظرف اقتصادي. فاختيار وسيلة النقل يجب أن يرتبط بالكثافة السكانية، وحجم الطلب المتوقع، وطبيعة العمران، والقدرة على تغطية تكاليف التشغيل والصيانة، والأثر الاقتصادي طويل المدى.

في كثير من التجارب الدولية كان المترو التقليدي أكثر قدرة على نقل أعداد ضخمة من الركاب داخل المدن المكتظة. وفي تجارب أخرى لعبت الحافلات السريعة والقطارات الخفيفة أدوارًا أكثر كفاءة من حيث التكلفة. أما المونوريل فقد نجح غالبًا في بيئات عمرانية محددة تخدم مناطق جديدة أو كثافات متوسطة.

ولهذا فإن السؤال ليس: هل المونوريل جيد أم سيئ؟

بل: هل كان الخيار الأفضل في المكان والتوقيت والظروف الاقتصادية التي اتخذ فيها القرار؟

من بين الملاحظات التي لا يمكن تجاهلها أن جزءًا مهمًا من مسارات المونوريل ارتبط بالعاصمة الإدارية الجديدة وبعض المجتمعات العمرانية الحديثة. وهنا يبرز سؤال العدالة التنموية. فهل كان الأولى توجيه جزء أكبر من هذه الموارد لتطوير شبكات النقل التي يستخدمها ملايين المواطنين يوميًا في القاهرة الكبرى والمحافظات المزدحمة؟ أم أن الاستثمار في المدن الجديدة يبرر هذه الأولوية؟

هذا نقاش مشروع لا ينبغي مصادرته.

كما أن التكلفة الكلية للمشروعات الكبرى لا تقف عند حدود الإنشاء. فهناك تكاليف التمويل، وخدمة الديون، والتشغيل، والصيانة، والتحديث المستقبلي. وكثير من الدول وقعت في أخطاء جسيمة لأنها ركزت على تكلفة البناء وتجاهلت التكلفة الممتدة لعقود لاحقة.

ولهذا فإن الشفافية الكاملة في عرض الأرقام والتقديرات والعوائد المتوقعة ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط أساسي لحسن الإدارة.

خلال عملي البرلماني كنت دائمًا من المدافعين عن حق المجتمع في معرفة تكلفة المشروعات العامة ومصادر تمويلها والعائد المتوقع منها. ليس لأن الشفافية قيمة ديمقراطية فقط، بل لأنها أداة اقتصادية ضرورية لتحسين القرار العام. فالمشروعات الناجحة لا تخشى الأرقام، بل تستند إليها.

ومن الإنصاف أيضًا القول إن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار لأي جوانب إيجابية. فالتوسع في شبكات النقل الحديثة قد يساهم في تخفيف الضغط على بعض المحاور، ويشجع استخدام النقل الجماعي، ويرفع قيمة بعض المناطق العمرانية، ويخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. لكن تقييم هذه الفوائد يجب أن يتم بصورة موضوعية تقارنها بالتكلفة الحقيقية والبدائل الممكنة.

مصر الممكنة تحتاج إلى سياسة نقل مختلفة قليلًا عما اعتدناه في السنوات الأخيرة. سياسة تبدأ من احتياجات المواطن اليومية قبل الصورة الدعائية للمشروع. سياسة تسأل أولًا: كيف ينقل العامل والموظف والطالب يوميًا بأقل تكلفة وأعلى كفاءة؟ ثم تبني بعد ذلك بقية المنظومة حول هذا الهدف.

ولهذا أرى أن الأولوية خلال السنوات القادمة يجب أن تتركز على استكمال وربط جميع وسائل النقل الجماعي داخل رؤية موحدة. المترو. والسكك الحديدية. والقطارات الإقليمية. والنقل النهري. والحافلات الحديثة. والمونوريل حيث تكون له جدوى حقيقية. فالمشكلة في مصر ليست نقص المشروعات بقدر ما هي نقص التكامل بينها.

كما أقترح إنشاء هيئة مستقلة للتقييم الاقتصادي لمشروعات البنية الأساسية الكبرى، تكون مهمتها مراجعة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والمالية للمشروعات قبل تنفيذها، وإصدار تقارير علنية عنها. فالدول المتقدمة لا تكتفي بالحماس للمشروعات، بل تخضعها دائمًا لاختبار الجدوى والكفاءة والعائد.

ومن الضروري أيضًا أن تصبح العدالة المكانية جزءًا من سياسة النقل. فمصر ليست العاصمة الإدارية فقط، وليست القاهرة الكبرى فقط. هناك ملايين المواطنين في الدلتا والصعيد ومدن القناة وسيناء يحتاجون إلى شبكات نقل حديثة وآمنة وفعالة لا تقل أهمية عن أي مشروع آخر.

المونوريل إذن ليس خصمًا كما يصوره البعض، وليس بطلًا كما يقدمه البعض الآخر. إنه مشروع من مشروعات عديدة يجب أن تخضع جميعها للمعيار نفسه: مصلحة المواطن، وكفاءة الإنفاق، وعدالة التوزيع، والعائد الاقتصادي الحقيقي.

مصر الممكنة التي نحلم بها عام 2030 ليست مصر التي تنفق أكثر، بل مصر التي تنفق أفضل. وليست مصر التي تملك أكبر عدد من المشروعات، بل مصر التي تنجح في اختيار المشروعات الأكثر احتياجًا والأعلى عائدًا والأكثر ارتباطًا بأولويات الناس.

وعندما يصبح هذا المعيار هو الحاكم، لن يكون الجدل حول المونوريل أو غيره صراعًا بين مؤيد ومعارض، بل نقاشًا وطنيًا ناضجًا حول أفضل الطرق لبناء المستقبل.

الحلقة القادمة:

مترو الأنفاق… العمود الفقري للمدينة الحديثة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى