مصرمقالات وآراء

د. تامر المغازي يكتب: ليلة تعرّفت فيها على روح مصر من جديد

من المدرج إلى الوجدان ليلة تعرّفت فيها على روح مصر من جديد

في كرة القدم، هناك مباريات تُحسم بالأهداف، وأخرى تُحسم بالشخصية.

ما حدث في مواجهة مصر ونيوزيلندا لم يكن مجرد انتصار ودي أو رسمي، بل كان اختباراً وجودياً لشخصية جيل كامل، وانتصاراً لفكرة أن كرة القدم، في جوهرها، لعبة روح قبل أن تكون لعبة مهارة.

منذ صافرة البداية، كان واضحاً أن النيوزيلنديين جاؤوا بخطة محكمة.

أجساد فارعة، كرات طويلة، وصراعات هوائية شرسة.

لقد فرضوا علينا لعبتهم التي تشبههم، عملية، مباشرة، لا تعرف الالتفاف حول الخصم بل اختراقه بالقوة.

شعرتُ للحظة أننا أمام فيلمٍ أجنبيٍ بُترت ترجمته؛ لا نفهم حوار الأجساد، ولا نستطيع مجاراة إيقاع الصدام.

لكن، هنا بالذات، في لحظة الضيق القصوى، تجلّى المعدن المصري الأصيل.

ليس معدن الفرعون الذي يبني المعابد بصمت، بل معدن ابن البلد الذي يبتسم في وجه العاصفة.

رأيتُ أعين اللاعبين تتحدث قبل أقدامهم.

رأيتُ محمد صلاح، ليس كهداف عالمي فحسب، بل كقائد قبيلة يوزع الطاقة.

رأيتُ دفاعنا لا يكتفي برد الكرات، بل يبني سداً من الإرادة.

وفي كل التحام هوائي، كان هناك ظهير أو متوسط ميدان مصري يقفز وكأنه يقول: “هذه الأرض.. أرضنا”.

الهدف الأول لم يكن مجرد كرة في الشباك.

كان فكرة تجسّدت، كان تتويجاً للحظة تحوّلٍ كبرى في المباراة، اللحظة التي قرر فيها المنتخب أن يقول “لا”. لا، لن نخضع لأسلوبكم.

لا، لن نخاف من أطوالكم. سنلعب الكرة التي نعرفها، سنمرر القصير، وسنخترق من العمق، وسنجبر فيزياءكم الجسدية على الانحناء لقوانين فننا الكروي.

ما لمسني شخصياً لم يكن الفرحة بالهدف، بل ما حدث بعد ذلك مباشرة.

الإصرار العجيب على عدم التراجع.

الرغبة الجارفة في قتل المباراة بهدف ثانٍ.

هذا هو الدرس الأعمق، ففي مصر، لا ننتصر لنحافظ على النصر، بل ننتصر لنبحث عن نصر آخر.

إنها عقلية مختلفة تماماً، عقلية لا تعرف الشبع الكروي، وتؤمن بأن الاستمرارية في الهجوم هي أعظم أشكال الدفاع.

عندما أُطلق الحكم صافرته الأخيرة، لم أصفق للأهداف الثلاثة أو الأربعة في شباك نيوزيلندا، بل صفقتُ للطريقة التي نطق بها هذا الجيل.

لقد قال لنا بكل وضوح: “نحن هنا.

قد نخطئ، قد نتعثر، لكن روحنا لن تموت.

روح ‘الجدعنة’ الكروية التي ورثناها عن أجدادنا ما زالت تسري في عروقنا”.

يوم المباراة، خرجتُ من أمام الشاشة وأنا أحمل يقيناً واحداً، المنتخبات تُبنى في مثل هذه الليالي.

ليس في ليالي الانتصارات السهلة، بل في الليالي التي تتصارع فيها الإرادات، وتُختبر فيها الشخصية الوطنية.

لقد رأيت وجه مصر الحقيقي في هذه الليلة، ليس وجهها الذي يخاف من المستقبل، بل وجهها الذي يبتسم له، ويتحداه، وينتصر عليه.

شكراً لهذا الجيل، الذي ذكرني وأنا أكاد أنسى، لماذا نعشق هذه اللعبة المجنونة، ولماذا نعشق هذا البلد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى