إيران تحت المقصلة: تصعيد مرعب في الإعدامات وصمت دولي مريب يغذي القمع

في مشهد دموي يتكرر خلف أسوار السجون الإيرانية، تعيش الجمهورية الإسلامية حالة من التكثيف المنهجي لسياسات القمع والإعدام، مستغلةً حالة الانشغال الدولي بالمفاوضات الإقليمية والملفات النووية. وتشير التقارير الحقوقية الموثقة إلى أن السلطات الإيرانية لم تكتفِ بتنفيذ أحكام الإعدام، بل وسعت دائرة الانتهاكات لتشمل الوفيات المشبوهة، والاعتقالات التعسفية، والضغوط النفسية والأمنية القاسية على النساء، والسجناء السياسيين، وعائلات الضحايا التي تطالب بالعدالة، في ظل تجاهل دولي يمنح النظام ضوءاً أخضر للاستمرار في بطشه.
وخلال الأسابيع الأخيرة، نفذت السلطات الإيرانية سلسلة من الإعدامات الجائرة في عدة سجون، حيث تم إعدام 16 سجيناً في زاهدان، زابل، يزد، بيرجند، شيروان، شيراز، ومراغة. ومن بين هؤلاء الضحايا أرباب أسر وثلاثة مواطنين أفغان، وسط إجراءات قضائية يكتنفها الغموض، حيث يُنقل السجناء إلى الحجر الصحي أو الحبس الانفرادي قبل إعدامهم بـ 24 ساعة فقط، مع استدعاء عائلاتهم لزيارة أخيرة تسبق تصفيتهم. وفي سجن تاغازي، أُعدم سجين بلوشي بعد رحلة معاناة استمرت نحو 3 عقود داخل زنازين النظام، في قضية شهدت تلاعباً وتغييرات مثيرة للريبة في الأحكام الصادرة ضده.
وتتصدر محافظة سيستان وبلوشستان قائمة المناطق الأكثر استهدافاً، حيث تكشف بيانات شبكة توثيق حقوق الإنسان في بلوشستان عن إعدام 143 مواطناً بلوشياً خلال عام 2025 وحده، منهم 139 شخصاً بتهم غير سياسية، و4 بتهم أيديولوجية وسياسية. ويحذر النشطاء من حرمان هؤلاء السجناء من أبسط حقوقهم القانونية، بما في ذلك الوصول إلى محامٍ مستقل أو إجراء محاكمات عادلة، في وقت يُنتزع فيه الاعتراف بالقوة تحت وطأة التعذيب.
وفي جانب آخر من ملف القمع، تفاقمت حالات الوفاة في ظروف غامضة داخل السجون؛ حيث فارق الحياة سجين سياسي يبلغ من العمر 57 عاماً بعد اعتقاله في احتجاجات بداية العام الجاري، والحكم عليه بالسجن 10 سنوات بتهم “العمل ضد الأمن القومي”. الغموض أحاط بوفاته بعد تسليم جثمانه لعائلته وسط إجراءات أمنية مشددة ومنع أي تشريح مستقل، ما يضع علامات استفهام كبرى حول طرق التصفية المتبعة داخل السجون.
وعلى صعيد استهداف النساء، فقد سُجل منذ بداية الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية فقدان 21 امرأة لحياتهن بسبب العنف المنزلي والقائم على النوع الاجتماعي، بالإضافة إلى تنفيذ أحكام الإعدام بحق 7 نساء، وتوثيق 7 حالات انتحار. تعاني الناشطات، الصحفيات، والطالبات المسجونات من حرمان منهجي من الرعاية الطبية، مع فرض كفالات باهظة أجبرت العائلات على بيع ممتلكاتهم ومنازلهم لإطلاق سراح ذويهم، وهو أسلوب ابتزاز أمني يُستخدم لتفكيك النسيج الاجتماعي للمطالبين بالعدالة.
إن جغرافية القمع الإيراني باتت تمتد لتشمل مدن: زاهدان، زابل، سراوان، ديزاك سراوان، نهبندان، بيرجند، شيروان، آمول، يزد، أردكان، شيراز، مراغة، أبهار، جرجان، تربات حيدرية، جلال آباد، وصولاً إلى ولاية خوست في أفغانستان. ويؤكد مراقبون أن هذا التمدد الجغرافي يعكس سياسة عامة ممنهجة وليست تصرفات فردية.
بينما يستمر نزيف الدماء وتتواصل الممارسات القمعية من حبس انفرادي، ونقل قسري بين السجون، وتهديدات أمنية للعائلات التي تسعى للكشف عن الحقيقة، يظل المجتمع الدولي غارقاً في صمته. إن تركيز القوى الكبرى على ملفات الأمن والمصالح السياسية جعل من حقوق الإنسان في إيران ورقة مهملة، مما يتيح للنظام استغلال الفراغ الدبلوماسي لتعميق جراحات الضحايا وتصعيد حدة بطشه في الأشهر المقبلة، تاركاً هؤلاء الضحايا يواجهون مصيرهم المحتوم في غياهب سجون لا تعرف للعدالة طريقاً.







