جنوب إفريقيا على صفيح ساخن: الجيش يستعد لمواجهة طوفان المظاهرات ضد المهاجرين

تعيش جمهورية جنوب إفريقيا حالة من الاستنفار الأمني غير المسبوق، حيث أعلنت الأجهزة العسكرية والأمنية، الثلاثاء 23 يونيو 2026، رفع درجات التأهب إلى أقصى مستوياتها، وذلك تحسبًا لموجة اضطرابات شعبية عاصفة تلوح في الأفق. يأتي هذا التحرك الرسمي استجابةً لدعوات أطلقتها حركات محلية لتنظيم مسيرات حاشدة يوم 30 يونيو الجاري، بهدف الضغط على السلطات لاتخاذ قرارات صارمة تتعلق بالطرد الفوري لجميع المهاجرين غير النظاميين من البلاد، وهو المطلب الذي يهدد بفتح صندوق من النيران التي قد تصعب السيطرة عليها.
وفي تقرير كشفت عنه إذاعة فرنسا الدولية (RFI)، أكد وزير الشرطة في جنوب إفريقيا، فيروز كاشاليا، أن الدولة قد خصصت ميزانية طارئة ضخمة بلغت 600 مليون راند، ما يعادل 30 مليون يورو، وذلك لتمويل الخطط الأمنية العاجلة. ولم يتوقف الأمر عند حدود الشرطة، بل كشف الوزير عن التنسيق التام واستعداد الجيش للنزول إلى الشوارع لمساندة القوات الأمنية، في خطوة احترازية تهدف إلى منع تكرار كابوس الشغب الدامي الذي شهدته البلاد في عام 2021، والذي خلف حصيلة مفجعة بلغت 350 قتيلاً في أعقاب سجن الرئيس الأسبق جاكوب زوما، وهو المشهد الذي لا تزال الذاكرة الوطنية تحاول تناسيه.
وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، برزت أصوات حاولت لجم العنف والتحريض، حيث ألقى ملك شعب الزولو، ميسوزولو زولو، خطاباً تاريخياً وصف بالهام في هذا التوقيت، دعا فيه أتباعه وكل أبناء سلالة القائد التاريخي «شاكا» إلى ضبط النفس التام وحظر إراقة دماء المهاجرين. وقد وصف الملك المهاجرين بأنهم فئات فقيرة لا تبتغي سوى البحث عن لقمة العيش الكريمة، في محاولة منه لإطفاء نار الفتنة التي تستعر في الشارع. وعلى الجانب الآخر، اتخذت الاتحادات والنقابات العمالية الكبرى موقفاً حازماً، حيث أصدرت بيانات شديدة اللهجة طالبت فيها العمال بمقاطعة هذه الدعوات والالتزام بأماكن عملهم وعدم الانجرار وراء الحراك، منعاً لشلل الاقتصاد الوطني الذي يعاني بالفعل من تبعات الأزمات المتلاحقة.
تأتي هذه التعبئة الأمنية المكثفة بعد أن سجلت وزارة الداخلية في جنوب إفريقيا واقعاً مريراً، حيث شهد العام الحالي 2026 سقوط ثلاثة قتلى من الرعايا الأجانب، من بينهم مواطنون من دولة موزمبيق وآخر من دولة مالاوي، وذلك نتيجة اعتداءات عنصرية متفرقة. هذه الحوادث دفعت المنظمات الحقوقية الدولية لإطلاق ناقوس الخطر، معبرة عن مخاوفها الجدية من انفجار وشيك للعنف العرقي في البلاد، مما قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها. إن التقاطع بين الغضب الشعبي الموجه ضد المهاجرين، والترسانة الأمنية التي تستعد للتدخل، يضع الدولة في مفترق طرق حرج يتطلب حكمة بالغة في إدارة الملفات الاجتماعية والأمنية الشائكة قبل فوات الأوان.
تظل الأنظار معلقة بما سيؤول إليه الوضع في يوم 30 يونيو الجاري، حيث ينتظر الجميع ما إذا كانت الدولة ستنجح في احتواء غضب الشارع عبر الأطر القانونية والأمنية، أم أن المواجهة المباشرة ستكون هي الخيار الوحيد في مشهد يبدو أكثر تعقيداً يوماً بعد الآخر. إن تكاليف هذه الأزمة ليست مادية فقط، رغم ضخامة الميزانية المرصودة، بل تتعلق بمستقبل السلم المجتمعي في بلد لطالما سعى لتجاوز إرث الماضي العرقي المرير، فهل ستتمكن القيادة في جنوب إفريقيا من تفادي الانزلاق إلى مستنقع الفوضى مرة أخرى؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة على هذه التساؤلات المصيرية التي تحبس أنفاس المتابعين داخلياً وخارجياً.







