شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مترو الأنفاق… العمود الفقري للمدينة الحديثة . مصر الممكنة 2030 (25) النقل في مصر الممكنة (2)

إذا كان المونوريل قد أثار جدلًا واسعًا بوصفه مشروعًا جديدًا، فإن مترو الأنفاق يمثل قصة مختلفة تمامًا. فالمترو ليس مجرد وسيلة نقل من بين وسائل أخرى، بل هو العمود الفقري الحقيقي للحركة داخل القاهرة الكبرى، والشريان الذي يعتمد عليه ملايين المواطنين يوميًا للوصول إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم ومصالحهم المختلفة.

ولهذا فإن أي حديث جاد عن مستقبل النقل في مصر يجب أن يبدأ من هنا.

من المترو.

لا من حيث هو مشروع هندسي فقط، بل من حيث هو خدمة عامة تمس حياة الناس بصورة مباشرة كل صباح وكل مساء.

أتذكر جيدًا الأيام الأولى لمترو الأنفاق في مصر. كان المشروع وقتها يمثل نقلة حضارية حقيقية بكل المقاييس. فقد نجحت الدولة في إنشاء وسيلة نقل جماعي حديثة قادرة على نقل أعداد ضخمة من الركاب بسرعة وكفاءة غير مسبوقتين. وكان المترو أحد أنجح المشروعات العامة التي عرفتها مصر في العقود الأخيرة.

ولم يكن نجاحه مرتبطًا فقط بالتكنولوجيا أو البنية الهندسية، بل لأنه جاء استجابة لحاجة حقيقية ومباشرة يعيشها ملايين المواطنين.

طوال سنوات عملي البرلماني والسياسي كنت أعتبر مترو الأنفاق واحدًا من أكثر المشروعات العامة التي تحقق مفهوم العدالة الاجتماعية بصورة عملية. فالمترو لا يخدم طبقة بعينها، ولا منطقة بعينها، بل يخدم ملايين المصريين من مختلف الفئات الاجتماعية. والعامل والموظف والطالب وصاحب المهنة الحرة يستخدمونه بالقدر نفسه تقريبًا.

ولهذا فإن النظر إلى المترو باعتباره مشروعًا اقتصاديًا فقط يظل نظرة ناقصة.

فالمترو أيضًا مشروع اجتماعي وتنموي وحضاري.

التجارب العالمية تؤكد هذه الحقيقة.

لندن لم تصبح مدينة عالمية بسبب شوارعها فقط، بل بسبب شبكة النقل العام التي تربط أجزاءها المختلفة.

باريس تعتمد بصورة كبيرة على المترو والقطارات الإقليمية.

برلين ومدريد وطوكيو وسيول وسنغافورة كلها بنت جزءًا مهمًا من نجاحها الحضري على شبكات نقل جماعي واسعة وفعالة.

ولم يكن الهدف مجرد نقل الركاب.

بل تحسين جودة الحياة ورفع الإنتاجية وتقليل التلوث وتخفيف الزحام.

في القاهرة الكبرى تتضاعف أهمية المترو أكثر من كثير من المدن الأخرى. فالتكدس السكاني الهائل يجعل أي بديل آخر أقل قدرة على التعامل مع أعداد الركاب الضخمة التي تتحرك يوميًا. ولهذا فإن كل جنيه يُنفق على تطوير شبكة المترو يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتجاوز كثيرًا ما تحققه مشروعات أخرى أقل ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين.

لكن النجاح التاريخي للمترو لا يعني أن أوضاعه الحالية خالية من المشكلات. فالنقاش الحقيقي يجب أن يتناول التحديات التي تواجه هذا المرفق الحيوي وكيف يمكن التعامل معها بصورة أكثر عدالة وكفاءة.

وأولى هذه القضايا تتعلق بتكلفة الخدمة نفسها.

خلال السنوات الأخيرة شهدت أسعار تذاكر المترو زيادات متتالية ومتسارعة. وكانت المبررات الرسمية ترتبط غالبًا بارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة والطاقة وسداد القروض وتمويل التوسعات الجديدة.

وقد يكون جزء من هذه المبررات صحيحًا من الناحية المحاسبية.

لكن السؤال الذي ظل يطرح نفسه بقوة هو: هل كانت دخول المواطنين ترتفع بالمعدل نفسه؟

المشكلة ليست في مبدأ مراجعة الأسعار بحد ذاته.

فلا توجد خدمة عامة يمكن أن تبقى بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية إلى الأبد.

لكن المشكلة تظهر عندما تصبح وتيرة ارتفاع التكلفة أسرع كثيرًا من وتيرة نمو دخول المواطنين.

وعندما تتحول وسيلة النقل الجماعي الأساسية إلى عبء متزايد على ميزانيات الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.

من يتابع تطور أسعار التذاكر خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن نسب الزيادة تراكمت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقد واحد فقط. وفي الوقت نفسه لم تشهد دخول قطاعات واسعة من المصريين الزيادة ذاتها، بل تآكلت القدرة الشرائية لكثير من الأسر بفعل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

وهنا تظهر معضلة حقيقية تحتاج إلى معالجة أكثر توازنًا.

في كثير من دول العالم لا يُنظر إلى النقل الجماعي باعتباره نشاطًا تجاريًا خالصًا يهدف إلى تحقيق الربح المباشر. بل يُنظر إليه باعتباره خدمة عامة تحقق للدولة والمجتمع مكاسب غير مباشرة ضخمة.

فالعامل الذي يصل إلى عمله في الوقت المناسب أكثر إنتاجية.

والمدينة الأقل ازدحامًا أكثر كفاءة.

والاعتماد على النقل الجماعي يقلل استهلاك الوقود والتلوث والحوادث.

ولهذا فإن الحكومات في عدد كبير من الدول تتحمل جزءًا مهمًا من تكلفة تشغيل النقل العام بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

باريس على سبيل المثال لا تغطي تكاليف النقل العام بالكامل من التذاكر وحدها.

وبرلين ولندن ومدريد تعتمد بدرجات متفاوتة على الدعم العام أو التمويل المشترك أو الضرائب المحلية أو مساهمات أصحاب الأعمال.

والهدف ليس تحقيق الربح من المترو، بل تحقيق الكفاءة الاقتصادية للمجتمع ككل.

ومن هنا أرى أن السؤال الصحيح ليس: كيف نجعل المترو يحقق أرباحًا؟

بل: كيف نجعل المترو مستدامًا ماليًا واجتماعيًا في الوقت نفسه؟

فالدولة الحديثة لا تقيس نجاحها فقط بميزان الحسابات المالية المباشرة، بل أيضًا بحجم المنافع العامة التي تحققها لمواطنيها.

كما أن توسعات المترو المستقبلية يجب أن تخضع لأولويات واضحة. فالمعيار الأساسي ينبغي أن يكون عدد المواطنين المستفيدين وحجم التأثير الاقتصادي والاجتماعي، لا الاعتبارات الدعائية أو الرمزية أو السياسية.

فكل خط جديد يجب أن يجيب عن سؤال بسيط:

كم مواطنًا سيخدم؟

وكم ساعة سفر سيوفر؟

وكم تكلفة اقتصادية سيخفض؟

ومن واقع الخبرة السياسية أرى أن القاهرة الكبرى تحتاج خلال السنوات القادمة إلى رؤية أكثر تكاملًا بين المترو والقطارات الإقليمية والحافلات الحديثة والمونوريل ووسائل النقل الأخرى. فالمشكلة ليست في نقص المشروعات بقدر ما هي في نقص التكامل بينها.

والراكب لا يهتم باسم الوسيلة بقدر ما يهتم بأن يصل إلى وجهته بسرعة وأمان وتكلفة معقولة.

كما أقترح إعادة النظر في هيكل تسعير التذاكر بحيث يصبح أكثر عدالة اجتماعية. فليس من المنطقي أن يتحمل محدودو الدخل العبء نفسه الذي يتحمله أصحاب الدخول الأعلى. ويمكن دراسة نظم اشتراكات أكثر مرونة، أو دعم موجه للطلاب وكبار السن والفئات الأكثر احتياجًا، أو آليات تمويل مبتكرة تخفف الضغط عن المستخدمين اليوميين.

وأرى كذلك أن الوقت قد حان لتعظيم الإيرادات غير التشغيلية للمترو. فالمحطات والمساحات التجارية والإعلانات والخدمات اللوجستية والعقارية المرتبطة بالشبكة تمثل مصادر دخل مهمة في كثير من دول العالم. وكل جنيه يتم توفيره من هذه المصادر يخفف الحاجة إلى تحميل العبء الكامل على التذكرة.

مصر الممكنة التي نتحدث عنها لا تحتاج فقط إلى مترو أكبر، بل إلى مترو أكثر عدالة وكفاءة واستدامة. مترو يستطيع أن يواكب التوسع العمراني والنمو السكاني، دون أن يفقد دوره الأصلي كوسيلة نقل جماعي في متناول المواطن العادي.

وحين ننظر إلى مستقبل القاهرة بعد عشر أو عشرين عامًا، يصعب تخيل مدينة قابلة للحياة دون شبكة مترو قوية وممتدة ومتكاملة. فالمترو لم يعد مجرد مشروع نقل. إنه جزء من البنية الأساسية للحياة الحديثة، وجزء من العدالة الاجتماعية، وجزء من القدرة الاقتصادية للمدينة نفسها.

ولهذا فإن الاستثمار فيه يظل أحد أكثر الاستثمارات العامة أهمية، بشرط أن يُدار بعقلية الخدمة العامة والكفاءة الاقتصادية معًا، لا بعقلية الأرقام المجردة وحدها.

الحلقة القادمة:

السكة الحديد… كيف تستعيد مصر شبكتها التاريخية؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى