مقالات وآراء

د. تامر المغازي يكتب: انتصار إيراني وخيبة أمريكية

«نصر بلا حرب»… كيف فرضت طهران معادلة «الخسائر الباهظة» وأعادت رسم هيبة واشنطن المنهارة؟

في أروقة صنع القرار في طهران، ثمة قناعة راسخة لم تعد مجرد شعارات سياسية، بل تحولت إلى عقيدة استراتيجية يدعمها الواقع الميداني. لقد انتصرت إيران في الحرب الطويلة التي لم تُعلن رسميًا، بينما تتخبط الولايات المتحدة وحلفاؤها في مستنقع من الخسائر المالية والعسكرية وفقدان الهيبة الذي لا يمكن إصلاحه بسهولة.

هذه الرواية، التي يتبناها المسؤولون الإيرانيون والمحللون المقربون من النظام، لا تستند إلى انتصار عسكري تقليدي، بل إلى ما يصفونه بـ«الانتصار الاستراتيجي» في حرب الظل التي امتدت لعقدين من الزمن، من العراق إلى اليمن، مرورًا بسوريا ولبنان.

الثمن الباهظ… تريليونات الدولارات وهيبة تتآكل

إلا أن «أمريكا» دفعت ثمنًا لا يمكن تصوره.

فقد أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 7 تريليونات دولار في حروب الشرق الأوسط منذ عام 2001، وفقًا لتقديرات جامعاتها. ماذا جنوا؟

لقد غادروا أفغانستان تحت جنح الظلام، وطُردوا من العراق بقرار برلماني، ويتعرضون للقصف في قواعدهم بسوريا والعراق ودول الخليج بشكل شبه يومي.

هذه ليست صورة منتصر.

وتتبنى وسائل الإعلام الإيرانية هذا الخطاب على نطاق واسع، حيث تركز على أن تكلفة الوجود العسكري الأمريكي وحلفائه تحولت إلى «نزيف استراتيجي». وتشير تقارير إخبارية هنا إلى أن اليمن وحده تحول إلى «مستنقع» للتحالف الذي تقوده السعودية والإمارات، المدعوم أمريكيًا، حيث عجزت أحدث المنظومات الدفاعية عن وقف مسيّرات وصواريخ لا تتجاوز تكلفة بعضها بضعة آلاف من الدولارات.

عقيدة «الحرب البعيدة» وانتصار الجغرافيا

يكمن جوهر «الانتصار» الإيراني، وفقًا لهذه الرؤية، في عقيدة ما يسمى بـ«الدفاع المتقدم».

فبدلًا من خوض حرب على حدودها، نجحت طهران في بناء شبكة معقدة من الحلفاء والوكلاء الإقليميين الذين يشكلون «طوق نار» حول خصومها، ويمنحونها عمقًا استراتيجيًا غير مسبوق.

لم تعد أمريكا قادرة على تهديد إيران دون أن تحسب حساب رد الفعل الذي سيأتي من أربع جبهات على الأقل.

فقد حولت إيران التهديد إلى فرصة.

اليوم، وحدة واحدة من حلفائها بقدراتها الصاروخية البسيطة، قادرة على إرباك أساطيل بحرية بمليارات الدولارات، وإغلاق ممرات ملاحية حيوية، وإيصال رسالة واحدة: «أمنكم مرهون بأمننا».

ويضرب المحللون هنا مثالًا حيًا على ما حدث في البحر الأحمر، حيث تمكنت قوات «أنصار الله» في اليمن من فرض واقع جديد، متحديةً بذلك تحالفًا بحريًا دوليًا تقوده واشنطن.

السؤال الذي يتردد في طهران ليس عن قدرة الحوثيين، بل عن التكلفة: كم يكلف اعتراض طائرة مسيّرة بـ2000 دولار بصاروخ دفاعي بمليوني دولار؟ ومن الذي يستنزف الآخر حقًا؟

انزياح الموازين من الأحادية إلى الفوضى النظامية

يرى صانعو القرار في طهران أن ما حدث ليس مجرد خسائر مادية، بل هو انزياح جيوسياسي كامل.

الهيبة الأمريكية التي كانت قائمة على فكرة «الجيش الذي لا يُقهر» قد تحطمت، كما تقول افتتاحية حديثة في صحيفة «كيهان» المتشددة.

لقد أثبتت إيران أن القوة الناعمة والصاروخية لحلفائها قادرة على إعادة رسم خرائط النفوذ، وإجبار القوى العظمى على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروطها.

هذا الشعور بـ«النصر» لا يقتصر على النخبة الحاكمة.

في شوارع طهران، وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها المواطن الإيراني العادي، تغذي الرواية الرسمية شعورًا بالفخر القومي والصمود.

فالنظام يقدم المعاناة الاقتصادية على أنها «تكلفة الانتصار»، و«ثمن الاستقلال» في وجه «الحصار الاقتصادي العالمي».

انتصار تكتيكي في أفق استراتيجي غامض

سواء اتفقنا مع الرواية الإيرانية أم اختلفنا، فإن هناك حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: لقد نجحت طهران في تغيير قواعد اللعبة.

لقد فرضت منطق «الحرب غير المتكافئة»، وأثبتت أن بإمكان قوة إقليمية متوسطة، تعاني من عقوبات خانقة، أن ترفع تكلفة الهيمنة إلى مستوى لا يمكن تحمله.

السؤال الذي يبقى معلقًا في سماء الشرق الأوسط ليس ما إذا كانت أمريكا وحلفاؤها قد خسروا «هيبتهم»، بل كيف سيتعامل العالم مع قوة صاعدة تعلمت، ربما أفضل من غيرها، كيف تنتصر دون أن تخوض حربًا تقليدية واحدة، تاركةً خصومها يغرقون في بحر من التكاليف الباهظة والحسابات الخاطئة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى