حوارات وتصريحات

فهد المصري: السوريون أفشلوا رهانات الحرب الأهلية والخطر في المرحلة الانتقالية مرتفع لكنه ليس حتميًا

أكد الأمين العام للحزب السوري الحر، فهد المصري، أن الإخفاقات والمشكلات التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد ما زالت أقل بكثير من السيناريوهات التي توقع كبار المراقبين الغربيين حدوثها، محذرًا في الوقت نفسه من أخطار المرحلة الانتقالية غير المكتملة، في ظل تصاعد الدعوات إلى محاسبة من يوصفون بـ«فلول النظام» والمخاوف من تحولها إلى أعمال انتقام وقصاص خارج إطار العدالة.

وقال المصري، إن كبار المراقبين الغربيين كانوا يراهنون على اندلاع حرب أهلية، ووقوع مجازر بصورة شبه يومية، إلى جانب تمزيق الجغرافيا السورية إلى دويلات، لكن كل ذلك لم يحدث.

وأضاف أن السوريين تمكنوا من تجاوز تلك السيناريوهات، نظرًا إلى رغبتهم الحقيقية في إنهاء الحرب وبناء سوريا جديدة تعددية وتشاركية، تعبر عن طموحاتهم وآمالهم.

وأشار الأمين العام للحزب السوري الحر إلى أنه لا يمكن إنكار الإنجازات التي تحققت، وبصورة خاصة في مجال السياسة الخارجية وعودة سوريا إلى حاضنتها العربية.

وتطرق المصري إلى أخطار الأحداث الأخيرة، قائلًا: «الخطر موجود، بل مرتفع في أي مرحلة انتقالية غير مكتملة، لكنه ليس حتميًا، وما يحدد الاتجاه هو سلوك الدولة الانتقالية، لا المزاج الشعبي وحده».

وتأتي تصريحات المصري في وقت رفع فيه الشارع السوري صوته، وعلت الهتافات بعد صمت استمر أكثر من عام عقب سقوط نظام بشار الأسد، مطالبة بمحاسبة من يوصفون بـ«فلول النظام» وتطبيق العدالة بحقهم بعد طول انتظار.

وفي مشهد يعكس حالة من التوتر والاحتقان داخل عدد من المناطق في محافظات سورية عدة، أبرزها إدلب وحلب وحماة، رفض وجهاء استقبال أي من المدنيين والعسكريين في قراهم ممن كانوا يقيمون في مناطق النظام السابق قبل التحرير في أواخر عام 2024.

وجاء ذلك، وفق بيانات أصدرها وجهاء تلك البلدات، بعد وصول عائلات وشخصيات مرتبطة بنظام الأسد كانت قد أقامت في بيوت الأهالي عقب هجرتهم. ومع ارتفاع الأصوات المطالبة بمحاسبة هؤلاء ومنع عودتهم إلى بيوتهم، صدرت تحذيرات بإخراجهم من البلدات والمدن، ووجهت إليهم إنذارات بالمغادرة.

وتحدثت مصادر أهلية في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي عن تعرض أشخاص وصفوا بـ«الشبيحة» للضرب في الشوارع، وسط حالة من الفوضى غير المسبوقة، بالتوازي مع مخاوف من تصاعد خطاب الكراهية وعمليات الانتقام، وما قد ينتج منها من تراجع للسلم الأهلي.

وكانت بلدات سورية، لا سيما في ريفي إدلب الجنوبي والشمالي، والجزء الشرقي من مدينة حلب وريفها، قد تعرضت للقصف و«التعفيش»، وهي كلمة تدل على سرقة البيوت والأرزاق والممتلكات، وحتى قطع الأشجار المعمرة، ولا سيما أشجار الزيتون والتين والفستق الحلبي التي اشتهرت تلك المناطق بزراعتها.

ووقعت هذه الأحداث خلال مراحل متتالية، كان أبرزها بين عامي 2017 و2019، حين تمكن الجيش النظامي السابق من التقدم بدعم إيراني وغطاء جوي روسي عنيف.

وشهدت بلدات عدة، من بينها «الفطيرة» و«أورم الجوز» وبلدات في ريف إدلب الجنوبي، صدور بيانات عن وجهاء وأعيان تلك المناطق، طالبوا فيها بالحفاظ على الاستقرار داخل بلداتهم، ومنع دخول أي شخص له ارتباطات مباشرة أو غير مباشرة بالنظام السابق.

وفي موازاة ذلك، انتشرت قصاصات ورقية ورفعت لافتات حملت اتهامات ضد أشخاص بأعينهم بأنهم «مخبرون» أو «موالون» للنظام السابق، كما لاقت هذه الاتهامات رواجًا واسعًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتضمنت إدانات لشخصيات محددة، إلى جانب تداول مقاطع مصورة للتظاهرات وعمليات الانتقام.

وأمام هذا المشهد، طالب حقوقيون بضرورة الإسراع في تطبيق العدالة الانتقالية، والعمل على خفض خطاب الكراهية المتزايد، وتحرك الحكومة بصورة عاجلة لوقف حالة الفلتان الأمني.

وتزامنت هذه الأحداث العنيفة مع ذكرى اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية، الذي وافق 18 يونيو الجاري، في مفارقة تشير إلى تراجع مستويات التسامح وعدم طي صفحة الخلافات السياسية.

وفي الأثناء، عاد الهدوء الحذر إلى تلك البلدات، وسط تحذيرات من وقوع أعمال انتقامية جديدة.

وقال أبو مضر، أحد القاطنين في مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي: «أنا مع تطبيق العدل بحق كل من سفك الدماء وكان سببًا في الظلم، وإحقاق الحق، لكنني لست مع الفوضى. اليوم يجب إيصال هذه المطالب الشعبية إلى الحكومة، وعلى القضاء أن يأخذ مجراه».

في المقابل، وصف المحتجون التظاهرات والاحتجاجات بأنها تعبير عن مطلب شعبي لأناس ضاقوا ذرعًا بصلف النظام السابق، مؤكدين أن كل من شارك فيها ذاق الويلات بسبب القصف والحرب والجرائم، وأن بين الأهالي من لا يزالون يبحثون عن مفقودين ويطالبون بمحاسبة المسؤولين.

وقال أحد المحتجين: «نحن مع الحكومة، ولا نريد أن يساء فهمنا بأننا نتمرد على قراراتها. على العكس تمامًا، سنكون عونًا لها بكل إرادتنا، لكن ما لا يطاق هو أن نشاهد المجرمين بيننا من دون حساب».

من جانبه، أشار «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، في بيان، إلى وجود مؤشر مقلق بشأن استمرار الانتهاكات المرتبطة بالهوية والانتماء الطائفي.

وسجل المرصد، خلال الفترة الممتدة منذ مطلع يونيو الجاري، 10 حوادث أودت بحياة 13 شخصًا، من بينهم طفل، وأدت إلى إصابة خمسة آخرين، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تنامي أعمال الانتقام الفردية والجماعية.

وأمام هذه التحركات، تعمل الجهات القضائية على تخصيص غرف قضائية متخصصة بالعدالة الانتقالية في جميع «العدليات»، أو قصور العدل، بالمحافظات السورية، في خطوة تهدف إلى تسهيل استقبال الشكاوى المتعلقة بالانتهاكات والجرائم المشمولة بهذا المسار.

وبموجب الإجراءات المعتمدة، يحق للمتضررين التقدم بشكاواهم مباشرة إلى النيابة العامة في «العدلية» المتخصصة، وفتح تحقيق رسمي تتولى خلاله الجهات القضائية جمع الأدلة والوثائق والشهادات اللازمة، قبل إحالة الملفات إلى قاضي الإحالة، ومن ثم إلى محكمة الجنايات المتخصصة للنظر فيها واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى