العالم العربيملفات وتقاريرموريتانيا

موريتانيا في قفص الاتهام الدولي: معركة السيادة بين مطرقة أوروبا وسندان المهاجرين

تجد موريتانيا نفسها عالقة في خضم صراع دبلوماسي وحقوقي محتدم، حيث تتقاذفها انتقادات الهيئات الحقوقية الدولية حول سياسات ضبط الهجرة غير النظامية على ضفاف الأطلسي ومناطق الساحل، مقابل سعيها المستميت لتجميل صورتها أمام المجتمع الدولي. ورغم أن نواكشوط تخوض هذه الأيام معركة إعلامية ودبلوماسية للدفاع عن مقاربتها الأمنية، إلا أن تقارير حقوقية أوروبية ودولية لم تتوقف عن قرع ناقوس الخطر بشأن ظروف التعامل مع آلاف المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل في صحرائها القاسية.

في تحول لافت أثار الكثير من الجدل، شهد مجلس حقوق الإنسان في جنيف مؤخراً إشادة أممية بجهود موريتانيا، اعتبرها البعض غطاءً لتمرير سياسات تقيد حركة المهاجرين، بينما ترى السلطات الموريتانية فيها اعترافاً دولياً بنزاهة نهجها القانوني. وفي غمرة هذا الجدل، تؤكد الحكومة أن التزاماتها الدولية لا تتعارض مع حماية حدودها، مبررةً قسوة إجراءاتها بأنها ضرورة حتمية فرضها موقعها الجغرافي الذي حولها إلى نقطة عبور استراتيجية نحو القارة الأوروبية، وهو ما يضعها تحت ضغوط استثنائية تفوق إمكاناتها الوطنية.

من جهتها، سعت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في موريتانيا، عبر وفد ترأسه البكاي عبد المالك، إلى تعزيز هذا الخطاب الرسمي خلال الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان، مؤكدة تطابق الرؤى مع التقرير الأممي الذي أشاد بتطوير المنظومة القانونية. ومع ذلك، لم تخلُ كلمات رئيس اللجنة من اعترافات ضمنية بوجود تحديات هيكلية؛ حيث شدد على ضرورة حماية الفئات الأكثر هشاشة من النساء والأطفال وطالبي اللجوء، مطالباً بتفعيل آليات تظلم فعالة، وهو ما يقرأه المراقبون كتأكيد على أن الواقع الميداني لا يزال يعاني من اختلالات جسيمة لم تعالجها النصوص القانونية بعد.

اللافت أن المشهد في جنيف جاء مغايراً لما شهدته البلاد خلال عامي 2024 و2025؛ إذ تعرضت موريتانيا لموجة انتقادات لاذعة بسبب حملات ضبط المهاجرين وترحيلهم القسري، وسط تقارير موثقة عن انتهاكات في ظروف الاحتجاز. ولم تتوانَ منظمات دولية عن وصف هذه العمليات بأنها استجابة لضغوط أوروبية تهدف لتحويل موريتانيا إلى حارس حدودي متقدم لمنع التدفقات نحو القارة العجوز. وفي هذا الصدد، اتهمت مجلة «ريفيستا» الإسبانية نواكشوط بتحويل أراضيها إلى مختبر لتجريب سياسات حد من الهجرة تفتقر إلى المعايير الإنسانية، متجاهلة الآثار المدمرة لعمليات الترحيل على الأسر والمهاجرين القاصرين.

على الجانب الآخر، تستميت السلطات الموريتانية في نفي هذه التهم، مؤكدة أنها تواجه ضغوطاً من 3 دوائر: الساحل المضطرب أمنياً في مالي، ودول غرب إفريقيا المصدرة للمهاجرين، والضغط الأوروبي الأمني. وتشير الأرقام الرسمية إلى استضافة موريتانيا لأكثر من 400 ألف لاجئ، معظمهم من مالي، وهو عبء اقتصادي ولوجستي هائل لا يتناسب مع الموارد المتاحة. ومن هنا، تحاول نواكشوط الموازنة بين “الأمني” و”الإنساني” عبر تحديث قوانين الهجرة والتعاون مع مفوضية شؤون اللاجئين، في محاولة لإقناع المجتمع الدولي بأنها لا تمارس قمعاً، بل تدير أزمة معقدة.

ومع استمرار الأزمات الأمنية في منطقة الساحل، يبدو أن الجدل حول ملف الهجرة في موريتانيا بعيدٌ عن الانتهاء. إن الإشادة الأممية الأخيرة، رغم أهميتها السياسية، تبقى “حبراً على ورق” ما لم تتحول إلى واقع ملموس يحمي كرامة المهاجرين. وتظل الحقيقة الساطعة أن موريتانيا أمام امتحان وجودي؛ فبينما تواصل الدفاع عن سيادتها وأمنها، تظل معركة الحقوق هي الاختبار الحقيقي لمصداقيتها أمام العالم. وكلما زادت وتيرة الأزمات الإقليمية، ستجد نواكشوط نفسها مضطرة لاختيار طريق لا يضحي بالجانب الإنساني على مذبح المصالح الأمنية الدولية، في معادلة قد تكون الأكثر تعقيداً في تاريخها الحديث.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى