ثقافة وفنونملفات وتقارير

أرشيف المرأة الكردية في السليمانية: معركة توثيق التاريخ المسكوت عنه منذ 3 سنوات

شهدت مدينة السليمانية حدثاً ثقافياً استثنائياً تمثل في إحياء الذكرى السنوية الثالثة لتأسيس مركز أرشيف وأبحاث ومكتبة المرأة الكردية، وهو الصرح الذي بات يمثل واجهة نضالية ومعرفية تهدف إلى حماية الذاكرة النسوية من محاولات الطمس والتهميش التاريخي. في يوم الأربعاء الموافق 24 يونيو 2026، اجتمع حشد واسع من الكتاب، والناشطين في مجال حقوق المرأة، والمثقفين الذين وفدوا من مختلف أجزاء كردستان، لتوكيد حقيقة مفادها أن تاريخ المرأة ليس مجرد سردية هامشية، بل هو جوهر الهوية الثقافية التي يجب صونها للأجيال القادمة.

يعود الفضل في إطلاق هذا المشروع الاستراتيجي إلى تعاون مثمر بين أكاديمية جينولوجي واتحاد نساء كردستان، حيث افتُتح المركز رسمياً في 24 يونيو 2023 بعد رحلة دامت 3 سنوات كاملة من الإعداد الشاق والعمل الميداني الدؤوب. وتكشف الكواليس التاريخية للمشروع عن الدور المحوري للشهيدة والكاتبة ناكيهان أكارسال، التي كانت العقل المدبر وصاحبة الرؤية الأولى لهذه المبادرة، واضعةً بذلك حجر الأساس لمؤسسة لا تكتفي بجمع الكتب، بل تسعى لاستعادة حق المرأة في تدوين تاريخها بنفسها بعيداً عن الرؤى الذكورية المهيمنة على السجلات الرسمية.

احتفاءً بهذه المناسبة، نظم المركز فعاليتين محوريتين عكستا عمق فلسفته الثقافية؛ الأولى كانت مبادرة تبادل الكتب تحت شعار “اتركي كتاب امرأة وخذي كتاب امرأة”، وهي فعالية نوعية اقتصرت على الإنتاج الأدبي والمعرفي النسائي حصراً، في رسالة مباشرة لتعزيز القوة الناعمة للكاتبات. أما الفعالية الثانية فقد تمثلت في ندوة فكرية عميقة بعنوان “اللحن في التهويدات الكردية”، حيث سبرت الندوة أغوار هذا التراث من زوايا نفسية واجتماعية، معتبرة أن التهويدات ليست مجرد أغانٍ، بل هي سجلات شفهية تحمل في طياتها حكايات الأمهات وآلامهن وأحلامهن عبر العصور.

وفي تصريحاتٍ كاشفة خلال الفعالية، أكدت الكاتبة والناشطة كينيَر عبد الله أن المركز لا يقدم خدمات مكتبية تقليدية، بل ينفذ مشاريع استراتيجية تهدف إلى تمكين النساء من كسر احتكار الرجال للتاريخ. وأوضحت أن المركز يضع على رأس أولوياته في المرحلة القادمة تكثيف الدراسات المتعلقة بالفولكلور والتاريخ الشفهي وذاكرة المرأة، معتبرة أن هذه المجالات هي “مناطق العمليات” التي سيخوض فيها المركز معركته ضد نسيان التاريخ النسوي.

المشاركات في الحفل لم يغفلن الإشارة إلى أن المركز أُسس كجدار صد لحماية تاريخ المرأة الكردية وثقافتها، مؤكدات أن العمل الأرشيفي هو الأداة الأكثر فعالية لتمكين النساء من تدوين تاريخهن بأقلامهن الخاصة. ومن جانبها، قدمت الكاتبة فوزية صالح عرضاً تاريخياً استعرضت فيه تطور الكتابة منذ العصور الكهفية وصولاً إلى العصر الرقمي، مؤكدة أن الكتب هي أعظم منجزات الحضارة، وأن مركز أرشيف المرأة الكردية يساهم في إحداث ثورة في المكانة الاجتماعية والتاريخية للمرأة، وهو ما دفع الحاضرات للمطالبة بتوسيع نطاق أعمال المركز وتعزيز إمكاناته لضمان استمرار هذا التوثيق التاريخي.

إن الذكرى الثالثة لهذا المركز ليست مجرد احتفال عابر، بل هي تذكير بضرورة استعادة الوعي التاريخي للمرأة الكردية التي ظلت لفترات طويلة مغيبة عن المتون التاريخية الرئيسية. لقد أصبح هذا المركز اليوم مرجعاً أساسياً لكل من يبحث عن الحقائق التي تم إسكاتها أو تحريفها، مما يجعله في مواجهة مباشرة مع الأيديولوجيات التي تحاول حصر دور المرأة في الظل. وبينما تستمر فعاليات المركز، يزداد اليقين بأن توثيق ذاكرة المرأة هو السبيل الوحيد لضمان عدم ضياع هوية مجتمع بأكمله في دهاليز النسيان المفتعل، ليكون المركز بذلك حارساً أميناً على حقيقة أن صوت المرأة هو جزء لا يتجزأ من صيرورة التاريخ الإنساني.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى