السجن المؤبد لنشطاء حقوق الإنسان في بلوشستان وسط غضب دولي واسع

في تطور أمني وقضائي أثار موجة من الاستنكار الحقوقي العالمي، أصدرت محكمة خاصة في إقليم بلوشستان الباكستاني حكماً قاسياً بالسجن المؤبد بحق الناشطة الحقوقية البارزة الدكتورة مهرانج بلوش، وثلاثة من زملائها النشطاء، وذلك في ختام جلسات محاكمة أحيطت بظروف غامضة وجرت بالكامل داخل جدران سجن كويتا بعيداً عن أعين الرقابة العامة أو التغطية الإعلامية المستقلة، الأمر الذي يضع علامات استفهام كبرى حول نزاهة الإجراءات القضائية في القضايا ذات الطابع السياسي.
لقد كرست الدكتورة مهرانج بلوش حياتها المهنية والمدنية لتكون صوتاً صادحاً للمظلومين، حيث تصدرت المشهد كأبرز المدافعين عن عائلات المختفين قسراً في إقليم بلوشستان، وقادت حملات مدنية طالبت بالعدالة وكشف مصير آلاف المفقودين الذين تركت قضاياهم ذويهم في حالة من الأرق والاحتجاج المستمر لسنوات. إلا أن هذا النشاط الذي ينادي بالحقوق الأساسية ووجه بملاحقات أمنية انتهت بصدور هذا الحكم الجائر الذي استهدف أيضاً كلاً من بلوش قادر، رئيس منظمة الطلاب البلوش، وأبو بكر كلانشي، أحد قيادات المنظمة، وصبغة الله شاه عمري، عضو لجنة التضامن البلوشية.
وتعود وقائع القضية إلى تجمعات احتجاجية سلمية عُرفت باسم “راجي ماتشي” في مدينة جوادر، وهي احتجاجات نظمتها لجان التضامن البلوشية للمطالبة بإنهاء الانتهاكات الحقوقية. وتزعم النيابة الباكستانية في روايتها الرسمية أن شبير بلوش، وهو عنصر ينتمي لقوات الحدود، قد لقي مصرعه متأثراً بجراحه جراء رجمه بالحجارة خلال تلك المسيرة. وبناءً على هذه الادعاءات، تم تحويل النشطاء الأربعة إلى المتهمين الرئيسيين في قضية جنائية كبرى انتهت بالحكم عليهم مدى الحياة، دون أن تُعلن السلطات عن أي أدلة مادية دامغة أو تُتيح للمتهمين فرصة حقيقية للاستعانة بهيئة دفاع مستقلة أو تفنيد الاتهامات الموجهة إليهم.
إن إجراء المحاكمة داخل سجن كويتا لأسباب ذُكر أنها أمنية، يعكس نهجاً متصاعداً في استخدام المؤسسات القضائية والأمنية كأدوات لتقويض المجتمع المدني وتجريم التجمعات الشعبية. إن هذا الأسلوب في عزل المحاكمات عن الجمهور يمنع أي تقييم مستقل لمدى التزام السلطات بضمانات المحاكمة العادلة، ويفتح الباب واسعاً أمام الشكوك حول تسيس القضاء لاستهداف رموز النضال السلمي، وهو ما يمثل تراجعاً حاداً في مساحة النشاط المدني المكفولة دستورياً في باكستان.
إن مهرانج بلوش لم تكن مجرد ناشطة، بل كانت جسراً يربط بين عائلات المفقودين والرأي العام، والآن يُراد من خلال هذا الحكم المؤبد إرسال رسالة تخويف واضحة لكل طالب وعائلة تسعى وراء الحقيقة في بلوشستان، مفادها أن المطالبة بحقوق الإنسان قد تؤدي إلى عقوبات جنائية قاسية. لقد أثارت هذه الأحكام مخاوف المجتمع الدولي من تحول الإقليم إلى ساحة مغلقة للانتهاكات الأمنية، حيث يتم تغييب أصوات الحقيقة خلف أسوار السجون، مما يستوجب تحركاً عاجلاً لضمان الشفافية القضائية.
يُظهر هذا التطور أن السلطات الباكستانية تعتمد على القبضة الحديدية في مواجهة المطالب المدنية البلوشية، بدلاً من التحقيق في الانتهاكات التي أبلغ عنها النشطاء أنفسهم. واليوم، وبعد صدور الأحكام في يوم الأربعاء الموافق 24 يونيو 2026، تتجه الأنظار نحو تداعيات هذا القرار الذي لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يستهدف إسكات صوت الحقيقة ومنع كشف ممارسات القمع، في وقت لا تزال فيه آلاف العائلات تنتظر سماع أخبار عن أبنائهم المفقودين، ليأتي هذا الحكم ويقطع الأمل في تحقيق عدالة منصفة تنهي معاناة هذا الإقليم المضطرب وتضع حداً لحملات التضييق التي طالت الناشطين السلميين والمدافعين عن الحقوق، مما يجعل من قضية مهرانج بلوش ورفاقها عنواناً كبيراً لأزمة حقوق الإنسان التي تتفاقم يوماً بعد الآخر في المنطقة دون أفق حل سياسي حقيقي.







