فلسطينملفات وتقارير

تسويق عقارات المستوطنات يتحدى سيادة القانون البريطاني

تتجلى حالة من التناقض الصارخ في الأروقة البريطانية، حيث تقف الحكومة عاجزة عن فرض حظر تنفيذي صارم على تسويق عقارات تقع داخل المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، رغم ادعاءاتها المتكررة بأن هذه الأنشطة غير قانونية وتخالف قواعد القانون الدولي. وقد كشفت فعالية «العقارات الإسرائيلية الكبرى»، التي أقيمت في 14 يونيو/حزيران 2026 داخل كنيس إدجوير المتحد شمال لندن، عن ثغرات قانونية وتجارية تسمح بالترويج لمشروعات استيطانية في معاليه أدوميم، غفعات زئيف، كفار إلداد، وتينيه عومريم في الضفة الغربية، إلى جانب مشروعات في القدس الشرقية مثل رمات إشكول، غفعات هماتوس، والتلة الفرنسية.

ورغم الضغوط الواسعة التي مارستها أكثر من 100 جهة سياسية وحقوقية لمنع هذه الفعالية، إلا أن التبريرات التي قدمها المنظمون بوقوع “خطأ” في الكتيبات لم تكن كافية لتهدئة العاصفة، خاصة أن هذه الفعالية هي محطة ضمن جولة دولية شملت نيويورك وتورونتو. وفي هذا الصدد، يؤكد طارق شرورو، مدير منظمة محامون من أجل حقوق الفلسطينيين، أن الإطار القانوني الداخلي في بريطانيا يعاني من فجوات عميقة، مشيراً إلى أن الإرشادات الحكومية المحدثة في 9 يونيو/حزيران 2026 ليست سوى نصائح “غير ملزمة” لا ترتقي لمستوى الحظر التشريعي الذي يفرض عقوبات جنائية أو مدنية رادعة.

تتحرك الحكومة البريطانية حالياً في مسار رقابي عبر إحالة المواد الترويجية إلى هيئة معايير الإعلان البريطانية، استجابةً للشكوى الرسمية التي قدمها المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين في 17 يونيو/حزيران 2026، بحجة تضليل المستهلكين بإخفاء معلومات جوهرية عن الموقع الجغرافي والوضع القانوني للأرض. ومع ذلك، تبقى قدرة هذه الهيئة محصورة في تقييم دقة الإعلان، دون امتلاك صلاحية حسم قانونية المعاملات التجارية بحد ذاتها، وهو ما يجعل القضية أمام البرلمان البريطاني مادة دسمة للمساءلة، حيث طالبت النائبة إيلي تشاونز في 16 يونيو/حزيران 2026 بتفسيرات حول السماح ببيع عقارات على الأراضي البريطانية تعتبرها الدولة نفسها غير قانونية.

وتتزامن هذه التطورات مع إعلان بريطانيا، بالتعاون مع كندا، فرنسا، النرويج، أستراليا، ونيوزيلندا، عن حزمة عقوبات ضد 7 جهات وشخصيات ضالعة في عنف المستوطنين. لكن هذه العقوبات لا تزال قاصرة عن مواجهة البنية الاقتصادية التي تدعم الاستيطان؛ إذ تواصل لندن الفصل بين التجارة مع إسرائيل داخل حدود ما قبل عام 1967 والنشاط داخل المستوطنات، دون تحويل هذا الموقف إلى منع شامل وملزم. وفي 11 يونيو/حزيران 2026، قُدم اقتراح برلماني يدعو لسن تشريع يحظر التجارة مع المستوطنات، وسط تحذيرات من أن بقاء الوضع الراهن يفتح الباب أمام شركات العقارات والمحامين والمصارف للمشاركة في سوق استيطاني يزداد توغلاً.

تضع هذه الأزمة بريطانيا أمام اختبار صدقية حقيقي؛ فالمستوطنات لا تمثل مجرد وجهة عقارية، بل أصل على أرض محتلة. وتظهر الأرقام حجم التغول، حيث تشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في مايو/أيار 2026 إلى وجود 542 مستوطنة وبؤرة تأوي نحو 780 ألف مستوطن. ومع الكشف عن مخططات لبناء 2721 وحدة استيطانية إضافية في يونيو/حزيران 2026، إلى جانب وجود 363 بؤرة استيطانية تشهد توسعاً متسارعاً منذ إبريل/نيسان المنصرم، يبدو أن التحذيرات البريطانية دون قوة تنفيذية تظل عاجزة عن وقف نزيف الأراضي. إن جوهر المشكلة يكمن في تحول الخدمات البريطانية، من تمويل وقانون، إلى أداة تشرعن وجود هذه المستوطنات في السوق الدولية، وهو ما يتطلب موقفاً يتجاوز التنديد السياسي نحو خطوات تشريعية تمنع بوضوح استخدام الموارد والخدمات البريطانية في دعم سوق المستوطنات غير القانوني.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى