ثقافة وفنونملفات وتقارير

ديمة أبو شرخ: فنانة أردنية تكسر قيود الصمت وتفضح معاناة النساء بلوحاتها

تظهر الفنانة التشكيلية والباحثة التربوية ديمة أبو شرخ كنموذج صارخ للمرأة التي ثارت على القوالب الجاهزة، محولة ريشتها إلى أداة حادة لاختراق جدار الصمت الاجتماعي. هي ليست مجرد أم لخمسة أطفال أو معلمة في المدرسة الأرثوذكسية، بل هي كيان أنثوي قرر استعادة ذاته المفقودة وسط طاحونة المسؤوليات. في مسيرتها التي بدأت من طفولة مبكرة واعدت، اكتشفت ديمة أن دور “المرأة الخارقة” ما هو إلا فخ يستنزف الروح، فكان قرارها العودة إلى الفن بمثابة إعلان استقلال شخصي، متحديةً الرفض العائلي لممارستها فن النحت تحت ذريعة التقاليد، لترد بأن لوحاتها هي انعكاس لهويتها الحقيقية التي لا تقبل التزييف.

لم تكتفِ ديمة بالجماليات السطحية؛ فمع دراستها لبرنامج ماجستير دراسات المرأة في الجامعة الأردنية، تبلورت لديها رؤية نقدية حادة تجاه قضايا النساء. جعلت من الفن منصة للمناصرة، حيث تستحضر في كل لوحة وجع امرأة عرفتها، سواء كانت ابنتها أو والدتها أو حتى امرأة مجهولة واجهت قسوة الحياة. لوحة “المرأة المخذولة” تقف شاهدة على هذا النهج، إذ تجسد وحدة المرأة وصمودها أمام غدر الواقع، بينما ترمز الشمس في اللوحة إلى بصيص الأمل الذي تحتاجه النساء للنجاة من حصار المجتمع.

تتجاوز جرأة ديمة حدود القضايا النسوية لتقتحم الذاكرة الفلسطينية بكل ما تحمله من ألم. في معرضها بـ “جبل اللويبدة”، حولت مكاناً مهجوراً يشبه الخرابة إلى مسرح حي يروي مأساة الشتات. إنها لا ترسم لترضي ذائقة الجمهور، بل لتكشف المستور عن حياة المرأة الفلسطينية التي تعيش خسارات يومية، من فقدان الأرض إلى تلاشي تفاصيل الحياة الصغيرة. وصفت ديمة هذه التجربة بالـ “مجنونة” لأنها أجبرت الزوار على معايشة فقدان الهوية والوطن في مكان يجسد الانهيار.

ولأنها تدرك الحاجة إلى بيئة آمنة للبوح، أسست ديمة مشروعها “هيفن هافن” (Heaven Haven). لم تبدأ المشروع بطموحات تجارية، بل بثلاث فتيات باحثات عن متنفس للهروب من الضغوط والعنف الرقمي والاجتماعي. تحول الاستوديو إلى مجتمع صغير يوفر مساحة للرسم والنحت والموسيقى، بعيداً عن أعين الرقابة الاجتماعية التي تلاحق طموح المرأة.

وعلى الصعيد التربوي، رفضت ديمة أن يكون التعليم مهنة روتينية. دمجت مفاهيم النوع الاجتماعي في الفصول الدراسية بأسلوب ذكي يراعي خصوصية المجتمع الأردني. لم تكتفِ بذلك، بل أدخلت تقنيات العلاج بالفن والدراما للصف السابع، مما منحها تقديراً دولياً توج بجائزة التميز في التعليم في دبي خلال شهر ديسمبر الماضي. وهي اليوم تقاتل من أجل دمج ذوي الإعاقة بطريقة تحفظ كرامتهم وسلامتهم النفسية، بعيداً عن العزل أو التهميش.

تستمد ديمة قوتها من سير نساء صنعن التاريخ؛ من كليوباترا وحتشبسوت إلى فريدا كاهلو التي جعلت من أوجاعها جسداً لأعمالها. هي لا ترى تعارضاً بين الأمومة والنجاح، بل تصرخ في وجه كل امرأة تعاني من الشعور بالذنب: “أبناؤنا يحبون رؤيتنا قويات”. إن رسالتها واضحة ومباشرة: لا تضحي بنفسك من أجل أوهام العطاء؛ فالمرأة التي تضع حدوداً لوقتها واحتياجاتها هي الوحيدة القادرة على تغيير مجتمعها. ديمة أبو شرخ، من خلال ريشتها وعقلها، لم تعد مجرد فنانة، بل أصبحت صوتاً يهز أركان الصمت، ومحرضة على استعادة الوجود والكرامة في عالم يحاول دائماً إسكات صوت المرأة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى