د. أيمن نور يكتب: الغباء السياسي.. سجون مريحة… نصنعها لأنفسنا فصل من كتاب «الغبي»

لكل جماعة إنسانية أو سياسية بابان: باب تدخل منه إلى التاريخ، وباب تخرج منه من العقل. تدخل الأول عندما تجعل الانتماء طريقًا إلى اتساع الإنسان، وتخرج من الثاني عندما تحول الانتماء إلى سور عالٍ حول الفكرة، ومفتاح واحد لكل الأسئلة، وحارس خفي يجلس داخل الضمير باسم الوفاء.
في مشروع كتاب «الغبي» لا أنشغل بالغباء كصفة عابرة تُلصق بشخص، ولا كإهانة تُقال في لحظة غضب، بل أحاول أن أتبعه في تحولاته. أحيانًا يظهر الغباء في فرد يسيء قراءة نفسه والناس والزمن، وأحيانًا يتسع حتى يصير بيئة كاملة تنتج العمى وتكافئه، وأحيانًا يبدأ كنمط تفكير جماعي ثم يعود فيتجسد في أشخاص يظنون أنهم أذكياء لأنهم يرددون ما اتفقت عليه جماعتهم. الغباء هنا ليس شخصًا دائمًا، ولا جماعةً دائمًا، بل حالة تنتقل بين الفرد والقطيع، بين النفس والبيئة، بين الخطأ الخاص والمناخ العام الذي يمنحه شرعية ودفئًا وتصفيقًا.
السياسة لا تفسد فقط بسطوة الحكومات، ولا تنحرف فقط عندما تطغى الدولة أو تتغول السلطة. أحيانًا يبدأ العطب من المعارضات نفسها، من جماعات تتحدث عن الحرية بلغة مغلقة، وعن الديمقراطية بسلوك لا يحتمل الاختلاف، وعن المستقبل بعقل لم يغادر غرفته القديمة. والتغيير الذي لا يمر من داخل أصحابه يبقى وعدًا ناقصًا، أو يصير، مع الأيام، نسخة أخرى مما كان يزعم أنه يقاومه.
لهذا لا أكتب هنا عن الحكومات وحدها، ولا عن خصوم السلطة وحدهم، ولا عن جماعة بعينها. أكتب عن تلك المساحة المعتمة في السياسة، حيث يتحول الإيمان بالفكرة إلى إعفاء من التفكير، ويتحول الانتماء إلى طاعة، وتتحول الذاكرة إلى قيد، ويتحول الألم القديم إلى رخصة دائمة لتبرير أخطاء جديدة. هنا يقيم «الغبي» الذي أحاول الاقتراب منه في هذا الكتاب؛ لا بوصفه شخصًا نسخر منه، بل بوصفه حالة قد تسكننا جميعًا عندما نطمئن أكثر مما ينبغي إلى يقيننا.
الغباء السياسي ليس قلة معرفة فحسب. قد يكون صاحبه واسع الاطلاع، حسن العبارة، حاضر الحجة، موصولًا بالكتب والمنابر والشاشات. لكنه يغدو غبيًا سياسيًا عندما يفقد القدرة على مراجعة أدواته، وعندما يخلط بين الثبات والجمود، وبين الصلابة والعناد، وبين الوفاء للفكرة وعبادتها. أخطر الجهل ذلك الذي يرتدي ملابس اليقين، ويمشي مرفوع الرأس لأنه لا يعرف أنه لا يعرف.
تذكرت، وأنا أعيد ترتيب هذا الفصل، العبارة القديمة المنسوبة إلى الرئيس الراحل أنور السادات، عندما وصف بعض حلفائه الذين صاروا خصومًا بعد أن تبدلت المواقع واقتربت السلطة أو ابتعدت، بأنهم يستحقون أن يحاكموا بتهمة «الغباء السياسي». لم تكن الجملة، في جوهرها، شتيمة عابرة في معركة حكم، بل وصفًا لذلك العمى الذي يصيب السياسي عندما يقرأ اللحظة بعين الأمس، ويمسك بالموقف كما لو كان حجرًا مقدسًا، ويفقد مرونة العقل في اللحظة التي يحتاج فيها إليها أكثر من أي وقت آخر.
والغباء السياسي، بهذا المعنى، ليس مرضًا حكوميًا فقط. قد يسكن مكتب الوزير، وقد يجلس في مقعد المعارض، وقد يختبئ خلف لافتة حزب، أو بيان جماعة، أو منصة غاضبة، أو ندوة عن الحرية لا تسمح بسؤال حر. جوهره واحد: رفض الاعتراف بأن الزمن تحرك، وأن الناس تغيروا، وأن الوسائل التي صلحت في لحظة قد تصير عبئًا في لحظة أخرى، وأن النية الطيبة لا تكفي وحدها لبناء طريق صحيح.
الجماعات المغلقة لا تغلق بابها دفعة واحدة. تبدأ عادة بعبارات تبدو معقولة ومؤقتة: لا وقت للخلاف، لا نريد إضعاف الصف، لا تفتحوا معركة جانبية، لا تمنحوا الخصوم فرصة. ثم تصير هذه العبارات عادات، ثم تصير قواعد، ثم تصير محاكم صغيرة. وبعد زمن، تكتشف الجماعة أنها لم تحم وحدتها، بل حمت أخطاءها من الهواء، وأنها لم تؤجل الخلاف، بل أجلت النضج.
في السياسة العربية، كثيرًا ما ذهبنا إلى تغيير الحكومات بأدوات لم نغيرها في أنفسنا. طالبنا بالدولة المدنية ونحن نحمل داخل جماعاتنا شهوة الوصاية. دافعنا عن الحريات ونحن نضيق بالمختلفين معنا. هاجمنا الإعلام الموجه ونحن نصنع لأنفسنا إعلامًا مضادًا بالتوجيه نفسه. رفضنا تقديس الحاكم ثم قدسنا الزعيم الصغير، أو الرمز الصغير، أو النص التنظيمي الصغير، أو الذاكرة التي لا تقبل أن يلمسها سؤال.
هنا تبدأ السجون التي نصنعها ونختارها بأنفسنا. سجون لا تحتاج إلى حديد، ولا إلى مفاتيح معلقة في حزام سجان. يكفيها قاموس مغلق، وذاكرة لا تسامح، ورفاق يصفقون قبل أن يسمعوا، وخصوم نكرههم قبل أن نفهمهم. يكفيها أن تستبدل الجماعة ضمير الفرد بضمير جماعي جاهز، وتقول له بهدوء: لا تحمل عبء التفكير وحدك، نحن فكرنا عنك.
الإنسان يحتاج إلى جماعة، كما يحتاج إلى بيت، وإلى رفقة، وإلى معنى يتكئ عليه في الطريق الطويل. لكن البيت قد يصير قفصًا إذا أغلقت نوافذه، والرفقة قد تصير قطيعًا إذا كرهت السؤال، والمعنى قد يصير صنمًا إذا منع من المراجعة. ليست المشكلة في الانتماء، بل في اللحظة التي يأكل فيها الانتماء صاحبه.
في منتصف الطريق بين السياسة وعلم النفس، تلوح لنا حقيقة قاسية: أكثر الناس لا يتخلون عن حريتهم لأنهم يكرهونها، بل لأنهم يتعبون من ثمنها. الحرية مرهقة. تضعك أمام نفسك بلا عذر جماعي، وتمنعك من الاحتماء الكامل بالهتاف، وتطلب منك أن تقول لرفاقك أحيانًا: أخطأتم. وربما كان قول هذه الكلمة داخل جماعتك أصعب من قولها في وجه خصمك.
في هذا السياق، تحضر على نحو عابر محاضرات الكاتبة البريطانية دوريس ليسينج التي جمعت في كتابها «سجون نختار أن نحيا فيها». لم تكن تلك المحاضرات رواية، رغم أن صاحبتها من كبار أهل الرواية، بل كانت تأملًا صارمًا في الطبيعة البشرية، وفي ميل الإنسان إلى دخول سجون غير مرئية؛ سجون الجماعة، والأيديولوجيا، والخطاب المغلق، والرغبة في أن نرى العالم كما يراه الذين يشبهوننا. ما يعنيني من هذه الإشارة ليس عرض الكتاب، بل ذلك التنبيه العميق: أخطر السجون تلك التي نحبها ونمنحها أسماء جميلة.
بعض السجون مريح لأنها تعفينا من الاختيار. داخله نعرف مسبقًا من نحب ومن نكره، ومن نصفق له ومن نرميه بالحجارة، وأي عبارة تصلح للنشر، وأي سؤال ينبغي أن يظل مؤجلًا. نضع لافتة على الباب تقول «ثبات»، بينما الجدار من الداخل اسمه خوف. نكتب فوق النافذة «وحدة صف»، بينما الهواء محبوس منذ سنوات.
نحن بحاجة إلى إصلاح فكري عميق، لا إلى تبديل بعض الكلمات في الخطاب. وإلى إصلاح نفسي عميق، لا إلى بيان جديد يعلن نوايا جديدة. نحتاج أن نراجع الأدوات قبل أن نلوم الطريق، والأهداف قبل أن نعاتب الجمهور، والنتائج قبل أن نغضب من الناس لأنهم لم يصدقونا. السياسة ليست أن نمتلك قضية عادلة فقط، بل أن نمتلك أيضًا عقلًا قادرًا على خدمتها دون أن يخنقها.
إصلاح الخطاب السياسي يبدأ من اللغة. فاللغة ليست ثوبًا خارجيًا للفكرة، بل بيتها الأول. عندما نصف كل مخالف بالخائن، وكل متردد بالجبان، وكل ناقد بالمندس، وكل مراجعة بالانكسار، فنحن لا نحمي قضيتنا، بل نمنعها من أن تكبر. الفكرة التي لا تحتمل سؤالًا صغيرًا ليست فكرة قوية، بل فكرة خائفة ترتدي قناع القوة.
القبول بالآخر لا يبدأ في المؤتمرات، ولا في الصور المشتركة، ولا في العبارات المهذبة أمام الكاميرات. يبدأ في الداخل، في تلك اللحظة الصغيرة التي تسمع فيها رأيًا يجرح يقينك فلا تبحث فورًا عن نية صاحبه. يبدأ عندما تسمح لمن خالفك بالأمس أن يفتح صفحة معك اليوم دون أن تطلب منه طقس توبة علنيًا. يبدأ عندما تكتشف أن من لا يشبهك قد يحمل جزءًا من الحقيقة التي غابت عنك.
لا أدعو إلى غسل الذاكرة، ولا إلى مصالحة رخوة تنكر ما جرى أو تساوي بين الجلاد والضحية، ولا إلى أن نضع الألم في درج مغلق ونمضي. هناك حقوق لا يجوز التنازل عنها، وجرائم لا يليق تجميلها، وجروح لا تلتئم بالأمنيات. لكن الذاكرة إذا تحولت إلى محكمة أبدية، منعت السياسة من أن تتنفس. والحق لا يخسر قيمته عندما نفكر في المستقبل، بل يخسرها عندما يتحول إلى حجر نلقيه على كل باب جديد.
الجماعات التي تريد تغيير أوطانها مطالبة بأن تغير طريقتها في النظر إلى ذاتها. هل تربي أعضاء أحرارًا، أم جنودًا صغارًا؟ هل تصنع عقلًا نقديًا، أم ذاكرة شعارات؟ هل تفتح الطريق للشباب، أم تطلب منهم أن يرثوا الجمل نفسها، والعداوات نفسها، والأدوات نفسها؟ هل ترى النساء والجيل الجديد والمختلفين شركاء كاملين، أم تضيف أسماءهم إلى البيان وتترك القرار حيث كان؟
لا مستقبل لخطاب سياسي يكتفي بإدانة السلطة، ولا يفتح نافذة على المجتمع. الناس لا تريد قاموس غضب لا ينتهي، ولا معارك رمزية تستهلك العمر، ولا منابر ترفع الصوت ولا تقترب من الحياة. الناس تريد كرامة، وعدالة، وأمانًا، ومدرسة لا تهين أبناءها، ومستشفى لا يطرد فقراءه، وقانونًا لا يخاف منه الضعيف، وحرية تترجم نفسها إلى خبز ودواء وطمأنينة.
ومن لا يترجم الحرية إلى حياة يومية يتركها معلقة في سماء البلاغة. جميلة، نعم، لكنها بعيدة عن يد الناس. الليبرالية التي أؤمن بها ليست أناقة لفظية ولا شارة فكرية، بل احترام الإنسان كما هو، بضعفه وحقه في الاختيار والخطأ والمراجعة. إنها إيمان بأن الدولة لا تملك المواطن، وأن الجماعة لا تملك الفرد، وأن الحقيقة لا تقيم إقامة أبدية في مقر حزب، ولا في مكتب حاكم، ولا في ذاكرة جرح واحد.
مشروع التغيير لا ينجح إذا ظل أسير فكرة الطهارة المطلقة. السياسة ليست ديرًا، ولا محكمة تفتيش، ولا مسابقة أبدية في النقاء. السياسة عمل مع البشر كما هم، بخوفهم وترددهم ومصالحهم وأحلامهم وذاكرتهم القلقة. ومن لا يقبل البشر في تعقيدهم لن يعرف كيف يخاطب شعبًا كاملًا. ومن لا يرى إلا النسخة التي يريدها من الناس، سيظل يخاطب جمهورًا متخيلًا يصفق له في الفراغ.
لهذا أرى أن إصلاح المعارضات ليس خدمة للسلطة، ولا تنازلًا في مواجهة الاستبداد، ولا خروجًا من المعركة. هو جزء أصيل من أي إصلاح وطني جاد. فالمعارضة التي تراجع نفسها تصبح أقوى لا أضعف، والتي تطور خطابها تقترب من الناس لا تبتعد عن مبادئها، والتي تفتح صفحات جديدة لا تمحو تاريخها، بل تمنحه فرصة ألا يتحول إلى عبء فوق كتفها.
يا أصحاب الجماعات المغلقة، اتركوا قليلًا من الهواء يدخل. أخطر من يهدد الجماعة ليس الذي يسأل، بل الذي يصفق دائمًا. ليس الذي يراجع، بل الذي يحرس الخطأ باسم الوفاء. ليس الذي يفتح نافذة، بل الذي يبيع لكم الاختناق باعتباره دفئًا تنظيميًا. الجماعة التي تخاف من المختلف داخلها لا تستطيع أن تبني وطنًا يتسع للمختلفين خارجه.
كل فكرة عظيمة تحتاج إلى مؤمنين بها، لكنها تحتاج أيضًا إلى منقذين لها من غرور المؤمنين. وكل جماعة سياسية تحتاج إلى وحدة، لكنها تحتاج قبل الوحدة إلى حياة داخلية لا تموت فيها الأسئلة. وكل معارضة تحتاج إلى شجاعة في مواجهة السلطة، لكنها تحتاج إلى شجاعة أندر: مواجهة صورتها عن نفسها، وتفكيك الأسطورة الصغيرة التي بنتها حول نقائها الدائم.
في كتاب «الغبي»، لا أبحث عن غبي نعلقه على مشجب السخرية. أبحث عن الغباء كحالة إنسانية وسياسية تتسلل إلى كل المعسكرات. أحيانًا يكون الغبي فردًا ضيق الأفق، وأحيانًا يكون بيئة تمنح ضيق الأفق اسمًا نبيلًا، وأحيانًا يكون جمهورًا صغيرًا يتبادل الطمأنينة ويخاف من المرآة. الغبي هنا هو من يظن أن المراجعة هزيمة، وأن الاعتراف ضعف، وأن فتح الصفحات الجديدة تفريط، وأن الجماعة لا تخطئ إلا قليلًا، وأن المستقبل سيأتي لأن النوايا طيبة. أما العاقل، فهو من يعرف أن النوايا لا تبني وطنًا وحدها، وأن الحرية لا تنبت في تربة مغلقة، وأن أول باب ينبغي أن نفتحه هو الباب الذي أغلقناه من الداخل.
لعلنا نحتاج الآن إلى شجاعة لا تبدو في ظاهرها صاخبة: شجاعة أن نعيد التفكير في أنفسنا. أن نسأل عما فعلناه لا عما نويناه فقط. أن نزن النتائج لا الخطابات. أن نصغي لمن غادرونا لا لمن بقوا يصفقون حولنا. أن نمد اليد إلى المختلف دون أن نطالبه بالتشبه بنا. أن نكف عن معاملة السياسة كأنها ثأر طويل، ونبدأ في معاملتها كفن صعب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإنسان والوطن.
الصفحات الجديدة لا تبدأ بإنكار الصفحات القديمة، بل بقراءتها دون خوف. لا تبدأ بمحو الذاكرة، بل بتحريرها من رغبة الانتقام. لا تبدأ بتبديل العناوين، بل بتبديل السلوك. وأحيانًا يكون أصدق ما تقدمه جماعة سياسية لنفسها ولوطنها أن تقول: لقد أخطأنا في أشياء، وتعلمنا من أشياء، ولم نعد نريد أن نسكن السجن الذي بنيناه بأيدينا، ثم سميناه يقينًا.
السجن الذي نصنعه لأنفسنا أخطر من السجن الذي يفرضه الآخرون علينا، لأننا نزين جدرانه بحججنا، ونعلق فوق بابه صور أحلامنا، ونطرد من يشير إلى ضيقه. أما الحرية الحقيقية، فتبدأ في اللحظة التي نسمع فيها صوت المفتاح داخلنا، وندرك أن الباب لم يكن مغلقًا كما توهمنا، وأن الطريق إلى تغيير العالم يمر أولًا من تلك الزاوية الصغيرة في النفس، حيث يختبئ الغبي، مطمئنًا، باسم الجماعة.







