كوباني السورية تخرج عن صمتها وتنتفض في ذكرى مجزرتي 2015 و2020 الداميتين

شهدت مدينة كوباني أقصى شمال سوريا حالة من الغليان الشعبي، حيث خرجت مئات النساء وأهالي المدينة في مسيرة جماهيرية حاشدة نظّمها مؤتمر ستار، إحياءً لذكرى اثنتين من أبشع المآسي الإنسانية التي حفرت ندوباً عميقة في وجدان الأهالي. هذه الفعالية لم تكن مجرد استذكار عابر، بل كانت صرخة مدوية للتأكيد على استمرار نضال المرأة، وتحويل مرارة الألم والغضب المتراكم إلى طاقة مقاومة صلبة، والعهد بالحفاظ على دماء الضحايا والدفاع عن المكتسبات التي كُلفت أثماناً باهظة من التضحيات.
تعود الذاكرة إلى يوم 25 يونيو 2015، حين نفذ تنظيم داعش الإرهابي واحدة من أكثر جرائمه وحشية بحق المدنيين في كوباني وريفها. لقد تسللت مجموعاته الإجرامية لتغدر بالأبرياء، في مشهد إبادة جماعية مروّع أودى بحياة أكثر من 200 مدني من الأطفال والنساء والمسنين، محولين المدينة إلى ساحة دماء ظلت شاهدة على إجرام لا يعرف رحمة ولا ديناً. لم تكن هذه المحطة هي الأخيرة في سجل الاستهداف، بل تبعتها بعد 5 سنوات وتحديداً في 23 يونيو 2020، مجزرة أخرى قادها الاحتلال التركي عبر هجوم وحشي بطائرة مسيّرة استهدف قرية حلنج. هذا الاعتداء السافر أسفر عن مقتل القياديات البارزات في مؤتمر ستار: زهراء بركل وهبون خليل، إضافة إلى والدة أمينة ويسي، في حادثة وُصفت بأنها تصفية دموية جديدة طالت المدنيين والرموز النسائية.
خلال المسيرة المهيبة التي جابت شوارع المدينة، تعالت الهتافات التي لا تليق إلا بأصحاب القضية العادلة، مثل “الشهداء لا يموتون” و”النساء يعشن من أجل الحرية”، حيث جددت المشاركات العهد في نفس المواقع التي شهدت تلك المآسي. وفي كلمة مؤثرة، أكدت سارة خليل، الرئيسة المشتركة لمجلس عائلات الشهداء، أن تخليد ذكرى الرفاق هو واجب أخلاقي ونضالي لا رجعة فيه، مشددة على التمسك بمواصلة الكفاح حتى تتحقق الأهداف التي استشهد من أجلها هؤلاء الأبطال.
من جانبها، أوضحت عدلة بكير أن المكتسبات التي وصلت إليها نساء روج آفا لم تأتِ من فراغ، بل كانت حصاد تضحيات جسيمة وإيمان عميق بمشروع الحرية. وقالت إن نساء المنطقة استطعن تطوير نضالهن ليشمل كافة مفاصل الحياة، رغم أن هذا الطريق كان محفوفاً بالأشواك ودفعن فيه أثماناً باهظة خلال سنوات الثورة. وشددت بكير على أن قضية الثأر للضحايا تظل حية ونابضة، داعية كافة النساء إلى التصدي لكل أشكال العداء الموجه ضد المرأة. وأضافت: “العودة لموقع المجزرة تفتح جراحنا، لكنها تزيدنا إصراراً وغضباً؛ نحن النساء لن نتخلى عن حقوقنا وسندافع عن شعبنا ورفاقنا حتى الرمق الأخير”.
وفي السياق ذاته، عبرت جيهان بوزان عن تصميم المشاركات قائلة: “سنحول غضبنا إلى قوة للنصر، فكل من شارك اليوم في هذه المسيرة يحمل في قلبه جزءاً من هذا الألم الجماعي”. وأكدت أن استحضار تلك الأحداث المأساوية ليس من أجل التباكي، بل لتبقى حقيقة العدو ماثلة أمام الأعين، ولضمان عدم تراجع وتيرة النضال، مشيرة إلى أن الألم هو الوقود الذي يغذي عزيمتهن لمواجهة التحديات المستقبلية والانتصار لقضايا الشهداء. لقد كانت المسيرة تأكيداً على أن إرادة الكرديات في كوباني عصية على الانكسار، وأن سجل الجرائم الذي حاول العدو كتابته بالدماء لم يزدهم إلا تماسكاً وقوة في وجه كل من يحاول النيل من حريتهم وكرامتهم.







